أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١١١

ثمّ بيّن أنّ الخلاف بين أبي الرّبيع وعمروس في هذه المسألة سببه أنّ عمروس والوارجلانيَّ حملا الأمر على الوجوب، أمّا أبو الرّبيع فحمله على النّدب(1).

والخلاف في هذه المسألة لا يعدو كونه لفظيّا، فلا تترتّب عليه أيّ ثمرة؛ لأنّ المندوب مطلوب فعله باتّفاق الجميع، ويبقى الخلاف منحصرا في إطلاق اسم المندوب على الأمر حقيقة أو مجازا.

الفرع الثّاني: هل المباح حكم شرعيٌّ؟ وهل هو مأمور به؟

يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور القائلين بأنّ المباح حكم شرعي، خلافا للمعتزلة الذين يرون أنّه حكم عقلي؛ مستدلّين على ذلك بأنّه لا معنى للمباح إلّا انتفاء الحرج من فعله وتركه، وهذا ثابت قبل ورود الشّرع، وهو مستمرّ بعده، وعلى هذا لا يكون حكما شرعيّا(2).

كما يوافق الشّماخيُّ الجمهور على أنّ المباح غير مأمور به، ونسب القول بخلاف ذلك للكعبيّ(3) من المعتزلة.

ولم يفصّل القول في هاتين المسألتين، واكتفى بالإشارة إلى وجود الخلاف فيها، ثمّ بيّن رأيه دون استدلال(4).

المطلب الخامس: بعض مسائل الحكم الوضعي.

تقدّمت الإشارة إلى أنّ الخطاب الشّرعيّ كما يرد بالاقتضاء والتّخيير، فكذلك يرد بالوضع، ويقصد بالحكم الوضعي الأمر الذي نصّبه الشّارع علامة على الحكم التّكليفي، وجعله مرتبطا به ومتعلّقا بمعناه، فهو وإن أخذ صفة الاستقلال عن الحكم التّكليفي، إلّا أنّ له صلة وثيقة به؛ ذلك لأنّه يجمع أقسامه بمثابة العلامات التي تدلّ على الحكم التّكليفي، والتي لولاها لفات النّاس كثير من

(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 295.

(2) ينظر: الشماخي، المصدر نفسه، 295؛ عبد الكريم النّملة، المرجع السابق، ص (1/ 261).

(3) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي الخراساني، أحد أئمّة المعتزلة، ولد سنة 273 هـ، وتوفي سنة 319 هـ، من آثاره:"التّفسير"، "تأييد مقالة أبي الهذيل". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (14/ 353)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (8/ 165).

(4) الشماخي، المصدر السابق، 295.