أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١١٦

المبحث الثالث: الحاكم.

المطلب الأوّل: مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين.

يظهر من خلال تعريف الأصوليّين للحكم الشّرعي، أنّ الحاكم هو الله -عزّ وجل-، فهو مصدر الأحكام الشّرعية باختلاف طرقها من كتاب أو سنّة أو اجتهاد، فلا حكم إلاّ حكمه، ولا شرع إلاّ ما شرّعه، وعلى هذا دلّت نصوص القرآن والسنّة، وأجمع المسلمون، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾(1).

ولئن كان الإجماع منعقدا بين العلماء على أنّ الحاكم هو الله تعالى، وأنّ أوصاف الأفعال من حرمة أو وجوب أو صحّة أو فساد، كلّها شرعية، فإنّ الخلاف حاصل بينهم حول وصف هذه الأفعال بالحسن أو القبح هل هو وصف شرعي أم عقلي؟ بمعنى هل يمكن للعقل أن يعرف حكم الله تعالى دون حاجة إلى مرشد له وهو الوحي السّماوي؟ وهل تترتّب على معرفة العقل حكم الله تعالى في الشّيء من غير وحي سماوي آثار من ثواب أو عقاب؟ وهو ما يُصطَلح عليه عند الأصوليّين بمسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين.

وهذه المسألة قد تشعّبت فيها أقوال العلماء وتعدّدت، وهو ما بيّنه الشّماخيُّ بقوله: «هذا بحث مشكل، تشعّبت فيه الأمّة تشعّبا»(2).

وفيما يأتي عرض مختصر لأقوال العلماء في المسألة:

- القول الأوّل: مذهب المعتزلة وفريق من الشّيعة الجعفريّة: وهو أنّ الحسن والقبح عقليان؛ إذ يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلّفين بنفسه، دون الحاجة لوساطة رسول أو كتاب، بناء على ما يوجد في الأفعال من نفع أو ضرر، وما الشّرع إلاّ مؤكّد لما أدركته العقول من أوصاف الأفعال، فما رآه العقل حسنا فهو مطلوب عند الله ويثاب فاعله، وما رآه العقل قبيحا فهو واجب التّرك ويعاقب فاعله.

(1) سورة الأنعام، الآية: 57.

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 278.