أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١١٧- القول الثّاني: قول الأشعرية وجمهور الأصوليّين، وهم يرون أنّ العقل لا يستقلّ بإدراك حكم الله، بل لابدّ من وساطة الرّسول وتبليغه، قال الآمدي: «مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أنّ الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها وأنّ العقل لا يحسّن ولا يقبّح»(1)، فليس الحسن والقبح من ذات الأشياء ولا من ضرورات العقول، فالحُسن ما جاء الشارع بطلب فعله، والقبيح ما جاء الشّارع بطلب تركه، فالأفعال تستمدّ حسنها وقبحها من أمر الشّارع ونهيه لا من حُسن أو قبح في ذواتها.
- القول الثّالث: قول الماترديّة، جاء متوسّطا بين القولين السّابقين، فهم يرون أنّ الحسن والقبح عقليّان لا يتوقّفان على الشّرع، بل يدركهما العقل بناء على ما في الأفعال من خواصّ وآثار، فما رآه العقل السّليم حسنا فهو حسن، وما رآه قبيحا فهو قبيح، فلا يمكن إنكار قدرة العقول على الحكم للفعل بالحسن والقبح، وغاية ما تدركه العقول أنّ هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلّقا للثّواب والعقاب(2)، مع الإشارة إلى أنّه لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلّفين على وفق ما تدرك عقولهم، فعقول النّاس قاصرة ومعرّضة للخطأ، مهما بلغت من علم وفهم وإدراك، وأفهامهم مختلفة كذلك، فلا يمكن لها الإحاطة بمراد الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما.
يرى الشّماخيُّ أنّ العقل لو لم يُخلَق لكان سائر الخلق عبثا، وأنّه حُجّة الله على عباده، ولكنّه ليس بكاف وحده فيُنسَب إليه التّحسين والتّقبيح مطلقا، بل حجّة الله تقوم به وبالشّرع من كتاب وسنّة وإجماع، وبيّن أنّ الحسن والقبح يُطلقان على موافقة غرض الشّارع، وأنّهما ليسا بذاتيين لاختلاف الأغراض، بل إضافيّين.
ثم ذكر أنّ العقل حجّة وأنّ الشّرع حجّة كذلك، والعقل لا يحسّن ولا يقبّح إلّا عند عدم ورود الشّرع، أمّا إن ورد الشّرع فإنّ التحسين والتّقبيح يرجع له.
(1) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ص (1/ 119).
(2) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، تح: أبو الوفا الأفغاني، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م، ص (1/ 92)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 28).