أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١١٩

الفرع الأول: حكم من لم تبلغه رسالة الإسلام.

شكر المنعم هل هو واجب عقلا؟

هل يثبت الجزاء الأخروي عقلا أم شرعا؟

اختلف الأصوليّون في هذه المسائل بناء على اختلافهم في مسألة التحسين والتقبيح:

فذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى كون العقل مستقلّا بمعرفة حكم الأشياء والأفعال، وما الشّرع إلاّ تبع لإدراكه الحسن والقبح فيها، وعليه قالوا بأنّ الإنسان مكلّف بما يقضي به العقل في حكمه على الأفعال قبل البعثة ووُرود الشّرائع، وذهبوا إلى إيجاب شكر المنعم بالعقل على من لم يبلغه الشّرع؛ واحتجّوا بأنّ الشّكر هو صرف العبد جميع ما منّ الله به عليه فيما خلق من أجله والإتيان بالشكر واجب، وأنّ فعل الحسن يستوجب الثّناء في الدّنيا، والثّواب في الآخرة، وفعل القبيح يستلزم الذّم في الدّنيا والعقاب في الآخرة(1).

وخالف في ذلك جمهور الأشعريّة، ومن وافقهم من متأخّري الماترديّة، وهم جمهور الحنفيّة؛ لأنّهم يقولون لا حكم للعقل كما تقدّم ذكره، وعليه لم يقولوا بتكليف من لم تبلغه رسالة سماوية؛ لأنّ الحجّة لا تقوم إلاّ بالرّسالة، وكذلك لا يطالب بشكر المنعم؛ لأنّه لو كان العقل موجبا فلابدّ أن يوجب لفائدة وإلاّ كان إيجابه عبثا وهو قبيح، ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها وإن عادت إلى العبد، فإن عادت إليه في الدّنيا فهو محال؛ لأنّ الشّكر عبارة عن إتعاب النّفس وإلزام المشقّة لها بتكليفها محال تجنّب المستقبحات العقليّة، وفعل المستحسنات العقليّة، وهو لاحظّ للنّفس فيه، وإن عادت إليه الفائدة في الآخرة، فالعقل لا يستقلّ بمعرفة الفائدة الأخروية، أو معرفة الآخرة نفسها دون إخبار الشّارع ولا إخبار، كما أنّه لا يحاسب على أفعاله في الدّنيا خيرا كانت أم شرّا(2).

ورأي الشّماخيِّ موافق لرأي جمهور الإباضيّة والماترديّة، حيث وافقوا المعتزلة في مقدّماتهم وخالفوهم في النّتائج، فلم يُلزِموا من لم تبلغه الرّسالة معرفة التّكاليف الشّرعية من واجب وحرام بعقولهم؛ لأنّ مصدرها الشّرع لا العقل، كما لم يوجبوا عليه شكر المنعم؛ لأنّ وجوبه يثبث بالشّرع لا

(1) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 475)؛ وهبة الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1406 هـ-1986 م، ص (1/ 128)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، ص 247.

(2) الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 475)؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 128).