أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

بالعقل أيضا، وعليه فما اقترفوا من أعمال نحكم عليها بعقولنا بالحسن والقبح، لا يلحقهم عليها الثّواب والعقاب يوم القيامة(1).

وهنا يظهر اتّفاق الماترديّة والإباضيّة مع الأشعريّة في النّتائج، أي في كون الثّواب والعقاب شرعيّين لا عقليّين، ولكنّ الإباضيّة خالفوهم في وجوب معرفة الخالق على جميع العباد سواء بلغتهم الرّسالة أم لم تبلغهم، وذلك بعقولهم وفطرهم، وفي ذلك يقول الشّماخي: «أوجب الله على العباد المعرفة سواء سمعوا أو لم يسمعوا، وكذا ما يدعو إليه الرسول -عليه السّلام-؛ لأنّ الحجّة فيما لا يسع إلزام الله العبد فهو موجود، في العاقل عذر لأحد»(2).

ثمّ بيّن أنّ الخلاف بين الإباضيّة والمعتزلة في المسألة يرجع لكون المعتزلة ينسبون التّحسين والتّقبيح للعقل مطلقا مع الشّرع ومع عدمه، أمّا الإباضيّة فيرون أنّ العقل يحسّن ويقبّح عند عدم ورود الشرع، أمّا إن ورد الشرع فالحكم له؛ لأنّ الحاكم في الحقيقة هو الشّرع(3).

الفرع الثّاني: ما حكم الأشياء قبل ورود الشّرع:

وهذه المسألة أيضا تفرّعت عن مسألة التّحسين والتّقبيح، وهي مسألة نظريّة أوردها الأصوليّون واختلفوا فيها على مذاهب، وفي حقيقة الأمر لا يترتّب عليها أيّ أثر عملي؛ لأنّها محسومة بنزول الوحي واكتمال الدّين.

وقد بحث العلماء في الأشياء والأعيان والتّصرّفات التي لم يرد في الشّريعة نصّ في شأنها هل هي مباحة أم محظورة؟

- القائلون بالمنع: وهو رأي جمهور المعتزلة، والإماميّة وابن حامد والقاضي أبو يعلى من الحنابلة، واستدلّوا على ذلك بأنّ العقل يمنع أن يتصرّف في ملك الغير بغير إذنه، وبالتّالي يكون حكمه المنع بناء على نظريّة التّقبيح عندهم.

وقد اختار الشّماخيُّ هذا الرّأي، وبيّن أنّه رأي جمهور الإباضيّة، حيث قال: «الأشياء قبل ورود الشّرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبي هريرة(4) على الحظر»(5).

(1) ينظر: الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص (2/ 563)؛ باجو، أبو يعقوب الوارجلاني أصوليّا، 248.

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 280.

(3) الشّماخي، المصدر نفسه، صفحات 280، 281.

(4) هو أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة البغدادي، من أئمّة الشافعيّة، توفي سنة 345 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (15/ 427)؛ تاج الدّين السّبكي، الطبقات الكبرى للشافعيّة، ص (3/ 256).

(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 279.