أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٢٤وظهرت من تفصيل الأصوليّين لشروط التّكليف، بعض المسائل الكلاميّة، كمسألة التّكليف بالمحال، ومسألة تكليف الكفّار بفروع الشّريعة.
تناول الشمّاخيُّ هذه المسائل باختصار، وبيّن أقوال العلماء فيهما، ثم اختار رأي الجمهور، وفيما يأتي عرض لهاتين المسألتين.
المطلب الأوّل: مسألة هل يصحّ التّكليف بالمحال؟
لا خلاف بين العلماء في كون القدرة على الفعل شرطا في التّكليف، فلا تكليف بممتنع، سواء كان ذلك ذاتيّا، بمعنى لا تقبل ذاته الوجود، كالجمع بين الضّدين، أو كان عاديا أي أنّه ممكن الوجود ولكن لا قِبَل للمكلّف به.
ويدلّ على ذلك النّصوص الشّرعية الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾(1)؛ ولأنّ المقصود من التّكليف إيقاعه من المكلّف، فإن كان مستحيلا، لم يصر لخطاب الشّارع معنى، والله تعالى منزّه عن ذلك.
ولكنّهم اختلفوا في المستحيل عادة، وهو الفعل المتعذّر عادة، هل يصحّ التّكليف به أم لا؟
- فذهب جمهور العلماء منهم الجويني والغزالي، وابن الحاجب، والمعتزلة(2)، والوارجلاني(3)، والشّماخي(4) إلى عدم جواز التّكليف بالمستحيل عادة.
واستدلّوا على ذلك بالآيات التي تبيّن أنّ التّكليف إنّما يكون بالمقدور، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾(5)، وغيرها من الآيات التي في هذا المعنى، كما احتجّوا بالدّليل
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 130)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 353)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، تح: فادي نصيف وطارق يحي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م، 93؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (1/ 303)؛ أحمد الحصري، نظريّة الحكم، ومصادر التّشريع في أصول الفقه الإسلامي، دط، مكتبة الكليّات الأزهرية، القاهرة، مصر، 1401 هـ-1981 م، 195.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 38).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.
(5) سورة الطلاق، الآية: 7.