أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٢٥العقليِّ، وفي ذلك يقول الشّماخيُّ: «لأنّ التكليف طلب، وهو استدعاء الحصول، وهو فرع تصوّر الوقوع وموقوف عليه، وباطل تصوّر وقوع المستحيل»(1).
وذهب جمهور الأشعريّة إلى جواز التّكليف بالمستحيل عادة(2).
وحجّتهم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾(3)، فقالوا لو كان مستحيلا، لما استقام الابتهال إلى الله به، فدلّ على جوازه؛ لأنّ الاستعاذة من المحال محال(4)، كما أنّهم قالوا بأنّ الله تعالى كلّف قوما بالإيمان، وفي علمه أنّهم لا يؤمنون، فحكم عليهم حكما أبديّا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾(5).
ويمكن أن يُجاب على هذا بأنّه لا تلازم بين علم الله الأزليّ، وبين قدرة الإنسان، التي منحها الله له على اكتساب الفعل(6).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من القول بعدم وقوع التّكليف بالمحال شرعا؛ ويدلّ على ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث التي تبيّن أنّ الله تعالى رفع الحرج والمشقّة عن التّكاليف الشّرعية، وأنّه لا يكلّف إلّا بالمقدور، أضف إلى ذلك أنّ كلّ ما استدلّ به القائلون بالوقوع، إنّما هي أمثلة للمستحيل من حيث علم الله بعدم وقوعه لا من حيث إمكان وقوعه، وتسمية هذه الأشياء بالمستحيلات غير جائز(7).
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.
(2) شهاب الدّين القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1424 هـ-2004 م، 115.
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(4) البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 291.
(5) سورة البقرة، الآية: 6.
(6) باجو، الوارجلاني أصوليا، 266.
(7) البيانوني، المرجع السابق، 295.