أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

المطلب الثاني: مسألة هل الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة:

لا خلاف بين العلماء في أنّ الكفّار مكلّفون بالإيمان وأصول الشّريعة، ولكنّهم مختلفون فيما عدا ذلك من فروع الشّريعة، هل هم مكلّفون بها أو لا(1)؟

وقد تناول الأصوليّون هذه المسألة، في معرض تفصيلهم لشروط التّكليف، فاختلفوا في اشتراط الإيمان فيه من عدمه، وهذا هو المقصود من مخاطبة الكفّار بفروع الشّريعة، أي هل الإيمان شرط في التّكليف أم لا؟

ورأي الشّماخيِّ(2) في المسألة موافق لما ذهب إليه الجمهور(3)؛ الذين يرون أنّ الإيمان ليس شرطا في التّكليف، وعليه فيكون الكفّار مخاطبين بفروع الشّريعة(4).

وعلّل ذلك بقوله: «لأنّه لو كان شرطا، لم تجب صلاة على مُحدث؛ لأنّ من شروطها الطّهارة وهي مفقودة»(5).

وممّا استدلّ به الجمهور قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾(6).

ووجه الدّلالة من الآية، أنّ الله خاطب الكفّار بأداء العبادات، وبالإيمان به، وبيّن أنّ استحقاقهم للعذاب؛ لكونهم كفروا بالله، وتركوا أداء الشّرائع من صلاة، وزكاة، وهذا يدلّ أنّهم كانوا مخاطبين بها في الدّنيا(7).

(1) ينظر: محمد أبو النّور، علم أصول الفقه، دط، المكتبة الأزهرية للتّراث، القاهرة، مصر، دت، ص (1/ 156)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 347).

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.

(3) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 30)؛ الحصري، نظرية الحكم، 202.

(4) اختلف الإباضيّة في هذه المسألة على قولين، فذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكفّار مخاطبين بفروع الشّريعة، وبهذا الرأي أخذ الشّماخي، وذهب البعض إلى أنّهم خوطبوا بالتّوحيد، والإقرار بالجملة، فإذا أقرّوا بذلك لزمهم ما لزم المسلمين من الخطاب بأحكام الشّريعة. ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 629.

(5) الشّماخي، المصدر السابق، 296.

(6) سورة المدثّر، الآية: 42، 47.

(7) الحصري، المرجع السابق، 202.