أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٣٨وقد ناقش الشّماخي حجج المانعين لوقوعه في القرآن فقال: «قولهم بأنّ ما وقع في القرآن من ألفاظ أعجميّة هو من باب اتّفاق اللّغتين باطل؛ لأنّ دليل عُجمة بعض الألفاظ في القرآن، منعها من الصّرف كلفظة إبراهيم وسائر الأعلام.
وأمّا قولهم بنفي التّنويع في القرآن بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ فغير صحيح؛ لأنّ سياق الآية يدلّ على أنّ المراد: أكلام أعجمي، ومخاطب عربيّ فلا يفهمه؟
وقولهم بأنه لو وُجد المعرّب في القرآن الكريم لم يكن عربيّا. مردود؛ لأنه لا يلزم من وقوع المعرّب في القرآن إخراجه من كونه عربيّا»(1).
ورأي الشّماخيِّ في هذه المسألة جاء مخالفا لرأي الوارجلاني وجمهور الإباضيّة(2)، حيث ذهب الوارجلانيّ إلى أنّ جميع ما في القرآن عربي، وردّ على القائلين بوقوع المعرّب فيه(3).
- القول الثّالث: الجمع بين القولين، حيث نُقل عن أبي عبيد قوله: «والصّواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا؛ وذلك أنّ هذه الأحرف أصولها أعجميّة -كما قال الفقهاء- لكنّها وقعت للعرب، فعرِّبت بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربيّة، ثمّ نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنّها عربيّة فهو صادق، ومن قال: أعجميّة صادق»(4).
ولعلّ هذا الرّأي الأخير هو الرّاجح، من بين الأقوال السّابقة؛ لأنّه وإن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها، فقد عرّبته العرب وغيّرته، فاستوجب أن يكون من لغتها.
وفي هذا المعنى يقول ابن رشد الحفيد(5): «وأمّا نفي بعضهم أن يكون في ألفاظه شيء ليس في لغة العرب وجوّزه بعضهم، فالوقوف على ذلك قليل الغناء فيما نحن بسبيله، وبالجملة إن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عرّبته العرب تعريبا، وغيّرته تغييرا استوجب به اللّفظ كونه من
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 249، 250.
(2) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 179.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 53).
(4) ابن النجّار الفتوحي، شرح الكوكب المنير، ص (1/ 195).
(5) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رشد الشّهير بالحفيد، الأصولي والفقيه والفيلسوف المالكي الأندلسي، توفي سنة 595 هـ، من آثاره: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، "مختصر المستصفى. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (19/ 466)؛ ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (2/ 257).