أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٤١وفي هذا يقول الشّماخيُّ في شرحه على كتاب مقدّمة التّوحيد: «اعلم أنّ السنّة لغة الطّريقة والعادة، وفي الاصطلاح، أما العبادات فما ليس بفرض من المندوب إليه، وأمّا في الدّليل … فهو ما صدر عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير»(1).
يلاحظ من خلال هذه التّعاريف أنّ السنّة تطلق على الواجب وغيره في عرف أهل اللّغة والحديث، وأمّا في عرف أهل الفقه فيُطلقونها على ما ليس بواجب(2)، كما تُطلق على ما يقابل البدعة، أخذا بحديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي»(3)، كما يلاحظ إدخال المحدّثين للوصف في تعريفهم، أمّا الأصوليّون فلا يذكرونه؛ وذلك لأنّهم يبحثون فيه كمصدر للتّشريع، والتّشريع يثبت بالقول أو الفعل أو التّقرير منه - صلى الله عليه وسلم -.
ويرجع السبب في اختلاف إطلاق السنّة إلى الغرض الذي يعتني به كلّ فريق؛ فغرض الأصوليّين هو إثبات أدّلة الاحكام إجمالا، وغرض الفقهاء إثبات الأدلّة تفصيلا، أمّا غرض المحدّثين فهو نقل كلّ ما جاء عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان مما يخصّ الأحكام أو لا(4).
- أنواعها: من خلال التّعريف الاصطلاحي للسّنة يتبيّن لنا أنّها على أنواع ثلاثة كالآتي:
1 - السنّة القوليّة: وهي الأحاديث التي قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مختلف الأغراض والمناسبات.
2 - السنّة الفعليّة: هي الأفعال التي فعلها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - مثل أداء الصّلوات الخمس، وأداء شعائر الحج، وقطعه يد السّارق اليمنى من الرُّسغ.
3 - السنّة التّقريريّة: هي ما أقرّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - صراحة أو سكت عن إنكاره، بعد أن صدر أمامه، أو حدث في عصره وعلم به، أو ظهر منه ما يدلّ على الرّضا به، كإقراره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل-رضي الله عنه- في كيفية القضاء باليمن، بدءا بالقرآن، ثمّ بالسنّة، ثمّ بالاجتهاد(5).
(1) الشّماخي، شرح مقدمة التوحيد، 92.
(2) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 67).
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم: 4607، ص (4/ 316)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، أبواب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البدع، حديث رقم: 2676، ص (5/ 49)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، حديث رقم: 42، ص (1/ 14)؛ وأخرجه أحمد في المسند، حديث رقم: 18182، ص (4/ 126).
(4) عبد الكريم النّملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ص (2/ 637).
(5) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 92؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 450).