أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٤٣2 - ما فعله النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقارنه القول على جهة الأمر به(1).
ثانيا: حجّية السنّة.
لا خلاف بين علماء الأمّة عبر العصور، في اعتبار ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متعلّقا بالتّشريع حجّة، ومصدر من مصادر التّشريع الإسلامي إلى جانب القرآن الكريم، كما أنّ الأمّة الإسلامية مُلزمة بامتثال ما جاء فيها من أحكام والعمل بمقتضاها؛ عند ثبوت صحتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه»(2).
والإباضيّة لم يشذّوا عن جماعة المسلمين، حيث اعتبروا السّنّة حجّة شرعية.
والشّماخيُّ لم يتناول في كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف، الحديث عن حجّية السنة، ولم يذكر أدلّة ثبوت حجّيتها كمصدر من مصادر التّشريع، وإنّما اكتفى باعتبارها ضمن الأدلّة الشّرعية؛ وخصّص بابا كاملا من الكتاب للحديث عن الخبر، حيث تناول فيه أقسامه، من متواتر وآحاد، مبيّنا شروط الرواي، وكيفيّات الرّواية.
بينما تحدّث عن حجّيتها في شرحه على كتاب مقدّمة التّوحيد، وذلك عند حديثه عن الصّلوات المفروضة والمسنونة، حيث ذكر أنّ بعض الإباضيّة يحكمون على من ردّ السنّة بالشّرك، وكذا من ردّ على النّبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة، سواء أنكر السّنة التي هي فرض أو السنّة التي هي فضيلة، وبعضهم يحكمون عليه بالنّفاق، ثمّ بيّن أنّ هذا الرّأي الأوّل فيه مبالغة؛ وقد يكون القصد منه التّغليظ والتّشديد، والمبالغة في تمكّنه من النّفاق(3).
وحجّية السنّة مقطوع بها عند الإباضيّة قديما وحديثا، ورأي الشّماخيِّ جاء ممثّلا لرأيهم(4).
وقد استدلّ العلماء على حجّية السّنة النّبوية في استنباط الأحكام الشرعية بأدلّة كثيرة من الكتاب ومن إجماع الصحابة ومن المعقول، منها:
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 368؛370؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 92، 93.
(2) وهو جزء من حديث، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة، باب النّهي عن أكل السّباع، حديث رقم: 4606، ص (4/ 328)؛ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، حديث رقم: 17213، ص (4/ 130).
(3) الشّماخي، شرح مقدمة التوحيد، 58.
(4) هذا على عكس ما ينسب إليهم من إنكار السّنّة؛ فقد كان للإباضية اعتناء بالسنّة، وإسهام فيها منذ القرون الأولى. ينظر: النّامي، دراسات عن الإباضيّة، 125 - 128؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 186 - 195.