أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

- حجّية خبر الآحاد:

من خلال ما سبق تبيّن أنّ حجّية السنّة النّبوية، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الصّحابة -رضوان الله عليهم-، ولكن وقع الاختلاف في حجّية السنّة التي رواها الواحد أو الاثنان ولم تبلغ حدّ الشّهرة أو ما يسمّى بخبر الواحد، بين مغال يذهب إلى أنّها تفيد القطع، ومفرّط ينكر حجّيتها؛ بدعوى ظنّية ثبوتها واحتمال التّدليس والكذب من الرّواة، ولكثرة ما أدخله الوضّاعون فيها من أحاديث مكذوبة عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - حتى عسُر التّمييز بين الخبيث والطيّب، وبين معتدل يذهب إلى أنّها حجّة ظنّية.

ومسألة حجّية خبر الآحاد شغلت بال العلماء منذ القديم، فأكثروا فيها من بيان الحجج والأدلّة، وقد عقد الإمام الشّافعي بابا كاملا في كتابه الرّسالة حول موضوع خبر الآحاد، تناول فيه بإسهاب الحديث عن حجّية الآحاد والردّ على من أنكرها، موردا في ذلك الحجج المختلفة النّقلية منها والعقليّة، حتى غدا كتابه مرجعا أساسيا لكلّ من تحدّث عن هذا الموضوع بعده.

وسأكتفي ببيان رأي الجمهور القائلين بأنّه حجّة ظنّية؛ لعدم القطع بنسبتها إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه موجب للعمل بعد التّثبت من صحة نسبته.

اعتمد جلّ العلماء الذين أعقبوا الإمام الشّافعي على الحجج التي أوردها في كتابه الرّسالة ردّا على من أنكر حجية خبر الآحاد، وأضافوا إليها أدلّة أخرى من الكتاب ومن السنّة ومن الإجماع والمعقول.

وتتلخّص الحجج التي أوردها الشّافعي في الردّ على من أنكر حجّية خبر الآحاد في النّقاط الآتية:

- القياس على أمر مقرّر في الشّريعة ثابت بالقرآن أو السنّة، كقضاء النّبي - صلى الله عليه وسلم -، بشهادة شاهدين أو رجل، وبشهادة امرأة فيما لا يطّلع عليه الرجال، والقضاء إلزام بترجيح جانب الصّدق على الكذب.

- تناقل الصّحابة للأحكام الشرعيّة بأخبار آحادهم، و إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، واكتفائه - صلى الله عليه وسلم - في تبليغ الأحكام بواحد يرسله.

- إرسال النّبي - صلى الله عليه وسلم - لرسل فرادى لتبليغ رسالة الإسلام للملوك، وتبليغ الكتب للولاة في الأمصار.