أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

1 - فذهب جمهور الأصوليّين ومعهم الشّماخيُّ، إلى أنّه يفيد رجحان الظّن وأنّه موجب للعمل، أي أنّه يفيد العلم بالظّن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾(1)، معناه فإن ظننتموهنّ؛ لأنّنا لا نحيط علما بما في ضمائرهن(2).

وخبر الآحاد متى توفّرت فيه شروط الصّحة من اتّصال السّند وعدالة الرّاوي، غلب على الظنّ صدقه.

واستدلّوا على صحّة مذهبهم بأدلّة منها:

- وقوع التّعارض بين أخبار الآحاد دليل عدم إفادتها للعلم؛ إذ التّعارض يتنافى مع العلم.

- لو كان خبر الآحاد مفيدا للعلم، لجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به دون خلاف؛ لكونه بمنزلتها في إفادة العلم، وهذا يؤكد أن خبر الآحاد مفيد للظّن.

2 - وذهب أهل الظّاهر، وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه، إلى أنّ خبر الواحد العدل يفيد العلم اليقيني من غير قرينة(3).

حيث قالوا إنّ خبر الآحاد لو لم يكن مفيدا للعلم لما وجب العمل به، والإجماع منعقد على وجوب العمل، فأفاد العلم، وبيانه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(4)، وقوله: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾(5).

أجاب الشّماخي على هذه الحجّة فقال: «أجيب بأنّ المتَّبَع هو الإجماع، على وجوب العمل بالظّواهر، والإجماع قاطع لا مظنون، لكن الآيتان مؤوّلتان بـ (ما) المطلوب فيه العلم من أصول الدّين، لا ما يطلب العمل من أصول الدّين»(6).

3 - وذهب النظّام ومن تابعه، إلى أنّه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة.

4 - وذهب البعض إلى أنّه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير قرينة، كما أنّه لا يوجب العمل، ونسب الشّماخي هذا القول للقاساني(7)، والرّافضة، وابن داود(8)، والجبّائي.

(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.

(2) الجصاص، الفصول في الأصول، ص (3/ 90).

(3) الآمدي، الإحكام، ص (2/ 47).

(4) سورة الإسراء، الآية: 32.

(5) سورة الأنعام، الآية: 148.

(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 441.

(7) هو أبو بكر محمّد بن إسحاق القاساني، وقيل القاشاني، أصولي وفقيه شافعي، عاش في القرن الثّالث الهجري، كان في بداية حياته ظاهريّا ثمّ تحوّل إلى الشّافعيّة. تنظر ترجمته: أبو إسحاق الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 176).

(8) هو أبو بكر محمّد بن داود بن علي بن خلف الأصفهاني الظّاهري، أصله من أصفهان، ولد سنة 255 هـ ببغداد وعاش بها، وتوفي سنة 297 هـ، من آثاره: "الوصول إلى معرفة الأصول"، "اختلاف مسائل الصّحابة". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 101)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 305).