أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٦٠الفرع الخامس: رواية الحديث بالمعنى.
اختلف الأصوليّون في جواز نقل الحديث بالمعنى، فمنعه بعضهم، وذهب الجمهور إلى جوازه بشروط(1).
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور على جواز نقل الحديث بالمعنى بشروط، ولكنّه بيّن أنّ الرّواية باللّفظ أحسن، حيث قال: «اعلم أنّهم اتّفقوا على أنّه لا يجوز نقل الحديث بالمعنى، إلّا للعارف بمواقع الألفاظ، والمختار جوازه، والأحسن نقله بصورته».
وذكر أنّ البعض أجازه بلفظ مرادف، والبعض منعه مطلقا.
واستدلّ على الجواز بقوله: «لأنّ الصّحابة نقلوا عنه أحاديث في وقائع متّحدة بألفاظ مختلفة، وما قاله -عيه السّلام- واحد، وتكرّر ذلك وشاع ولم ينكره أحد، فصار إجماعا لكن ليس بقطعي، وأيضا أنّ ابن مسعود وغيره يقول:"قال النبيُّ عليه السّلام كذا ونحوه"»(2).
وبيّن أيضا أنّ الجمهور متّفقون على جواز حذف بعض الحديث عند الرّواية، بشرط أن يكون المحذوف مستقلّا، أمّا إن كان غير مستقلّ فلا يجوز الحذف؛ لأنّ المعنى حينئذ يتغيّر عند سقوطه، كالغاية والاستثناء، ومثّل للغاية بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع التّمرة حتّى تزهى»(3)، ومثّل للاستثناء بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع البرّ بالبرّ إلّا بسواء»(4).
(1) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة في المصادر الآتية: السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (4/ 70)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 263)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 101)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (2/ 530). عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (2/ 210).
(2) الشمّاخي، شرح مختصر العدل، 464.
(3) متّفق عليه، أخرجه البخاريُّ ومسلم بلفظين متقاربين، ونصّه عند البخاري: عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ-:أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الثّمار حتّى تزهي، قال:"حتّى تحمار"»، كتاب الزّكاة، باب من باع التّمرة، حديث رقم: 1488، ص (2/ 127)؛ ونصّه عند مسلم: عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ-:أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الثّمرة حتّى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال:" تحمر"، فقال:"إذا منع الله الثّمرة فبم تستحلّ مال أخيك؟ "»، كتاب المساقاة، باب وضع الحوائج، حديث رقم: 4060، ص (5/ 29).
(4) وهو جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصّامت -رضي الله عن هـ- قال إنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى»، كتاب المساقاة، باب الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقدا، حديث رقم: 4145، ص (5/ 43).