أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٦٢المطلب الثالث: الإجماع.
تمهيد: يُعتبر الإجماع ثالث دليل من أدلة الأحكام الإجماليّة، فمرتبته تأتي بعد الكتاب والسنّة؛ لأنّه متفرّع عنهما، وقد نشأ في عصر الصحابة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لظهور نوازل استلزمت بيان حكم الشّرع فيها، ما جعل الصّحابة يلجأون إلى الاجتهاد الجماعي؛ خشية الخطأ في الاجتهاد الفردي؛ لذلك كان الخلفاء الرّاشدون يستعينون بمشورة كبار الصّحابة، فيما لم يجدوا فيه حكما لحادثة، فأصبح الحكم المجمع عليه ملزما بالنّسبة لبقيّة المسلمين ثم انتهجه بعدهم … علماء الأمّة.
وفيما يأتي سأتعرّض لمفهوم الإجماع، وأبيّن أركانه وشروطه، وأنواعه، مبرزا في ذلك رأي الشّماخي.
الفرع الأول: تعريف الإجماع.
أوّلا: تعريف الإجماع لغة:
يطلق الإجماع في اللّغة على معنيين:
1 - العزم على الشّيء والتّصميم عليه: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُم﴾(1)، أي اعزموا عليه.
2 - الاتّفاق: يقال: أجمع قوم على كذا، إذا اتّفقوا عليه(2).
والفرق بين المعنيين أنّ العزم يحصل من الواحد ومن الجماعة، أمّا الاتّفاق فلا يحصل إلّا من الجماعة.
ثانيا: تعريف الإجماع اصطلاحا:
ذكر الشّماخيُّ التّعريف اللّغوي للإجماع، ثمّ عرّفه اصطلاحا بأنّه: «اتّفاق مجتهدي الأمّة على أمر في عصر»(3).
ثمّ حدّد قيود تعريفه كالآتي:
(1) سورة يونس، الآية: 71.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "جمع"، ص (8/ 53).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 487.