أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٦٥وبيّن أنّ حجّة هؤلاء استحالة انعقاده؛ لانتشار العلماء في الأمصار، ممّا يمنع اتّفاقهم عادة.
وأجاب على هذه الحجّة فقال: «وأجيب بمنع كون الانتشار مانعا؛ لأنّهم مجدّون في الطلب، ويبحثون عن الأدلة، ولا يخفى على أهل كلّ مصر قول عالمها؛ لأنّ العلماء فيها كالنّجوم»(1).
ثانيا: حجّيّة الإجماع.
يرى الشّماخيُّ أنّ الإجماع حجّة شرعيّة عند جمهور المسلمين القائلين به؛ واستدلّ على ذلك باتّفاقهم على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، فدلّ هذا على اعتبارهم له حجّة(2).
ولم يستعرض أدلّة منكري الإجماع، واكتفى بردّ ما ذهبوا إليه، دون عرض حججهم ومناقشتها، فكأنّه بذلك يجعل حجّية الإجماع مسألة محسومة لا تستدعي الرّد على من أنكرها.
وساق بعض الأدلّة التي أوردها الأصوليّون لإثبات حجّيته، من الكتاب ومن السنّة، ولم يتعرّض لاستدلالهم بالمعقول.
وفيما يأتي سأذكر أهمّ الأدلّة التي استدلّ بها الأصوليّون باختصار:
1 - من الكتاب: استدلوا بآيات دلّت بظاهرها على حجّية الإجماع، وهي ليست نصاً في الدلالة حتّى تفيد القطع واليقين، وفي ذلك يقول الآمدي: «إنّ التّمسك بها وإن كانت مفيدة للظّن فغير مفيدة في القطع»(3).
وقد تنوّعت هذه النّصوص القرآنيّة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾(4). ووجه الدّلالة في الآية أنّ الله توعّد من يتبع سبيل غير المؤمنين بدخول جهنّم، وهذا يدلّ أنّ سبيل غير المؤمنين باطل، فيكون مقابله وهو سبيل المومنين حق، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه، فمخالفة الإجماع مخالفة لذلك السبيل، فيترتب عليها الوعيد الشّديد في الآية.
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 489.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 490.
(3) الآمدي، الإحكام، ص (1/ 277).
(4) سورة النساء، الآية: 115.