أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

فلا اعتبار لاتفاقهم؛ لأنّ مصدر التّشريع في عصره هو الوحي، ويدلّ على هذا حديث معاذ بن جبل، حيث لم يذكر فيه الإجماع كدليل من أدلّة الشّرع.

- الشّرط الخامس: أن يكون الاتّفاق بين مجتهدي عصر واحد: ويراد بالعصر عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، فلا اعتبار بمن صار مجتهدا بعد حدوثها.

- الشّرط السادس: أن يكون الاتّفاق على حكم شرعيّ اجتهادي: لأنّه لا اعتبار للإجماع إلا في المسائل الاجتهادية التي فيها نص ظنّي أو لا نصّ فيها أصلا.

ثانيا: بعض المسائل المتفرّعة عن شروط الإجماع.

ذكر الأصوليّون عدّة مسائل وقع فيها الخلاف بين العلماء، وهي متفرّعة عن شروط الإجماع، وقد ذكر الشّماخيُّ بعض هذه المسائل، وفيما سيأتي سأذكر بعضا من هذه المسائل التي أوردها مبرزا فيها رأيه.

- ما تفرّع عن شرط اتّفاق جميع المجتهدين:

أورد الشّماخيُّ بعض المسائل المتفرّعة عن هذا الشّرط، وهي متعلّقة ببعض الإجماعات الخاصّة، والتي يعتبرها بعضهم حجّة، ولكن لم يتحقّق فيها شرط اتّفاق جميع المجتهدين؛ لانحصارها في بعض الأشخاص أو بعض الأمصار، وهذه المسائل هي:

- إجماع الخليفتين وحدهما.

- إجماع الخلفاء الأربع.

- إجماع أهل المدينة.

- إجماع أهل الكوفة.

- إجماع أهل البيت.

واكتفى بردّ هذه الإجماعات دون استعراض للأدلّة، فقال: «اعلم أنّ بعض الفقهاء جوّز انعقاد الإجماع بالخليفتين وحدهما، وبعض منهم أحمد بن حنبل وأبو حازم(1) جوّزه بالخلفاء وحدهم، وبعضهم بالعشرة. وليس بشيء؛ لأنّ قولهم ليس بحجّة لجواز خلافهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»(2)، وقال الشّيعة: ينعقد بأهل البيت وحدهم، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إجماع أهل الكوفة حجّة، وقال مالك: إجماع أهل المدينة حجّة»(3).

ثمّ فصّل القول حول إجماع أهل المدينة، مبيّنا أنّ حجّة المالكيّة في الاحتجاج به، هي أنّ المدينة أفضل البلاد، ومهبط الوحي، ودار الهجرة، ومجمع الصّحابة، وغيرها من الحجج التي تبيّن أفضليّة المدينة على سائر البلاد(4).

ثمّ اعترض على تلك الحجج؛ بكون المكان لا حجّة له في الأحكام، كما أنّ الصحابة الذين شهدوا التّنزيل في المدينة وغيرها تفرّقوا في الأمصار، ممثّلا لذلك بمعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب(5)، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك(6)، وعبد الله بن عباس، وغيرهم من فقهاء الصّحابة، فكلّ هؤلاء استقر بهم المقام خارج المدينة وماتوا فيها، كما أنّه ثبتت مخالفتهم لأبي بكر(7) وعمر في أحكام كثيرة، أضف إلى ذلك أنّ الذين استوطنوا المدينة بعد الصّحابة،

(1) هو أبو خازم، عبد الحميد بن عبد العزيز، أحد أعلام الحنفيّة في القرن الثّالث الهجري، ولي القضاء بالشّام والكوفة وبغداد، توفّي سنة 292 هـ، من آثاره: "أدب القاضي"، "الفرائض". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 50)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (7/ 260).

(2) هذا الحديث غريب لم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، وقد روي من عدّة طرق، فقد رواه عبد الله بن حميد في مسنده مرفوعا، ورواه الدّارقطني في الفضائل، وفي إسناده حمزة النّصيبي، وهو ضعيف ومطعون فيه؛ ينظر في تخريجه: ابن حجر، التّلخيص الحبير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشّرح الكبير، تح: مصطفى أبو الغيظ وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، ط 1، دار الهجرة، الرياض، السعودية، 1425 هـ-2004 م، ص (4/ 463).

(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 495، 496.

(4) اختلف الأصوليّون في تفسير مراد الإمام مالك من إجماع أهل المدينة، كما اختلفوا في تعيين الأمور التي تعتبر فيه. ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة، وتحقيق القول فيها: أحمد محمّد نور سيف، عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليّين، ط 2، دار البحوث للدّراسات الإسلاميّة وإحياء التّراث، دبي، الإمارات العربيّة المتّحدة، 1421 هـ-2000 م، صفحات 94 - 108.

(5) هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشمي القرشي، رابع الخلفاء الرّاشدين، وهو ابن عمّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - وصهره، وأوّل من أسلم من الصّبيان، فدى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بنفسه عند الهجرة فنام في فراشه، ثمّ هاجر إلى المدينة وشهد المواقع كلّها مع النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى عدّة أحاديث، استُشهد سنة 40 هـ على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 344)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (6/ 475).

(6) هو أبو ثمامة أنس بن مالك بن النّضر بن ضمضم النّجاري الخزرجي الأنصاري المدني، صحابي جليل، خدم النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قُبض، هاجر إلى دمشق ثم إلى البصرة، وتوفي بها سنة 93 هـ، وقد روى أحاديث كثيرة عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. تنظر ترجمته: النّووي، المصدر السابق، ص (1/ 344)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (1/ 127).

(7) هو أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التّيمي القرشي، أوّل الخلفاء الرّاشدين، وأوّل من أسلم من الرّجال، ولد سنة 51 قبل الهجرة، لقّبه النّبي - صلى الله عليه وسلم - بالصّديق، صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد المواقع كلّها معه، وقد روى عدّة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن غيره من الصّحابة، توفي سنة 13 هـ. تنظر ترجمته: النّووي، المصدر السابق، ص (2/ 46)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (6/ 148).