أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٧٢اختلف الأصوليّون أزاء هذه المسالة على أربعة مذاهب:
- فذهب الجمهور ومعهم الشّماخي، إلى أنّ انقراض العصر غير مشروط لانعقاد الإجماع وتحققه، وإنّما يتحقّق الإجماع بمجرّد اتّفاق كلمة الأمّة، ويصير ملزما للجميع؛ وحجّتهم أنّ المعتبر في الإجماع هو اتّفاق مجتهدي العصر على حكم شرعيّ، ولا دليل يُثبت اشتراط انقراض العصر، فاشتراطه زيادة بلا دليل.
- وذهب أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر بن فورك(1)، إلى اشتراط انقراض العصر وموت جميع المجمعين حتى ينعقد الإجماع، واحتجّوا بأنّ عدم اشتراط انقراض العصر يمنع المجتهد من الرجوع عن رأيه إذا ظهر له دليل، كما أنّ الإجماع لا يثبت إلّا باستقرار الآراء، وذلك لا يتحقّق إلا بانقراض العصر، وقد ثبت عن بعض الصّحابة رجوعهم عمّا وقع عليه الاتّفاق، كرجوع علي بن أبي طالب عن القول بتحريم بيع أمّهات الأولاد.
وأجاب الجمهور بأنّ الإجماع لا ينعقد، إلّا بعد مُضيّ مدّة التّأمل واستقرار الآراء، وقطع الأمّة على الاتّفاق، كما أنّ المجتهدون لا يُبدون رأيهم إلا بعد الفحص والتّحرّي؛ لذلك فالقول بإمكانيّة رجوع بعضهم بعد إبداء رأيه بعيد الحدوث.
- وذهب بعض المعتزلة وأبو إسحاق الإسفراييني(2) والآمدي، إلى أنّ انقراض العصر مشروط في الإجماع السّكوتي دون الصّريح.
- وذهب إمام الحرمين إلى أنّ الإجماع إذا كان مستندا إلى دليل قطعيّ فلا يشترط انقراض العصر، وإن كان مستندا إلى دليل ظنّي فلابدّ من تطاول الزّمن سواء ماتوا أم لا.
(1) هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، الأصولي والفقيه والمتكلّم الشّافعي، توفّي بنيسابور سنة 406 هـ، وترك مصنّفات كثيرة منها:"مشكل الحديث وغريبه"، "الحدود"، "التّفسير". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 204)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة، ص (4/ 127).
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران، الأصولي والفقيه الشّافعي، يلقّب بـ"ركن الدّين"، أصله من إسفرايين بين نيسابور وجرجان، توفّي سنة 418 هـ، من آثاره:"الجامع في أصول الدّين"، "رسالة في أصول الفقه". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 343)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة، ص (4/ 256).