أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٧٤المتقدّم سوّغ لمن بعدهم الأخذ بكل واحد من تلك الأقوال»، وأما إذا اختلفوا، ثمّ اتّفقوا بعد الاختلاف، وقبل أن يستقرّ الخلاف، فيعتبر اتّفاقهم إجماعا، ومثّل لذلك باتّفاق الصّحابة على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم في بداية الأمر(1).
4 - إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
اختلف الأصوليّون في هذه المسألة على أقوال:
فذهب الجمهور إلى عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأنّ اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كلّ قول غيرهما.
وذهب الظّاهريّة إلى جواز إحداثه؛ لأنّها مسألة اجتهاديّة فيسوّغ فيها العمل بما يؤدّي الاجتهاد، والقول الثّالث حدث عن اجتهاد فيجوز.
وذهب البعض إلى أنّ القول الثالث إن لزم منه رفع ما تّفقا عليه فلا يجوز، وإن يلزم منه ذلك فإنّه يجوز إحداثه والعمل به.
وقد اختار الشّماخيُّ هذا القول الأخير، حيث قال: «والصّحيح إن كان القول الثالث يرفع الإجماع فممنوع، كما إذا اشترى بكرا فوطئها، ثمّ وجد بها عيبا، فقيل: الوطء يمنع الرّد، وقيل يردّها مع أرش الوطء، ومن قال يردّها مجّانا من غير شيء فقد رفع ما اتّفقا عليه، وإن لم يرفع فجائز، كالقول بأنّ العيوب تفسخ النّكاح، وهي العفل والبرص والجذام والجنون، وقيل: لا تفسخ، والقول أنّ بعضها يفسخ دون بعض لم يرفع ما اتّفقا عليه»(2).
وذكر أنّ ابن بركة يرى أنّ الخلاف إن كان للصّحابة فلا يجوز، وإن كان لغيرهم جاز(3)، أمّا الوارجلانيُّ فيرى جواز إحداث قول ثالث مطلقا(4)، وبهذا الرّأي أخذ السّالمي(5).
(1) الشّماخي، المصدر السابق، 491.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 502، 503.
(3) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، ص (2/ 260).
(5) السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 137).