أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٧٥الفرع الرّابع: أنواع الإجماع.
يقسّم علماء الأصول الإجماع باعتبار طريقة تكوينه إلى قسمين:
الإجماع الصّريح، والإجماع السّكوتي.
أوّلا: الإجماع الصريح.
وهو اتّفاق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم، على حكم في مسألة معيّنة، كأن يجتمع المجتهدون في مجلس؛ لبحث مسألة فيُبدي كلّ منهم رأيه فيها صراحة، وتتّفق آراؤهم على حكم واحد.
وهذا النّوع من الإجماع يعتبر حجّة باتّفاق جمهور العلماء.
ثانيا: الإجماع السّكوتي.
وهو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولا في مسألة، وينتشر ذلك بين بقيّة المجتهدين فيسكتوا عن الإنكار بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار، ولا يكون سكوتهم عن خوف أو إكراه، و يكون هذا القول قد بلغهم وليست هناك قرينة تدلّ على الرّضا أو ضدّه.
وهذا النّوع من الإجماع هو محلّ خلاف بين العلماء في اعتباره حجّة.
- حجّية الإجماع السّكوتي.
هل يعتبر سكوت المجتهدين موافقة ضمنيّة؟ وهل ينعقد بذلك الإجماع ويكون حجّة؟
اختلف الأصوليّون أزاء هذه المسألة على مذاهب كالآتي:
- القول الأول: أنّ الإجماع السّكوتيَّ يعتبر حجّة قطعيّة مثل الإجماع الصّريح وإن كان أقلّ منه قوّة، وإلى هذا ذهب أكثر الحنابلة والحنفيّة(1)، وهو المختار عند الوارجلاني والشّماخي(2).
وحجّة أصحاب هذا القول تتلخّص في أنّ السّكوت يُحمل على الموافقة، متى قامت القرينة على ذلك ولم تكن هناك موانع، وقرينة حمله على الموافقة تكون باشتهار الرّأي ووصوله للمجتهدين، ومضيِّ وقت كاف للاجتهاد في المسألة، دون وجود حائل يحول دون تصريح المجتهد برأيه، فإذا تحقّق ذلك كان سكوت المجتهد علامة للموافقة، وتحقّق بذلك الإجماع وكان حجّة.
وقد فصّل الشّماخيُّ حالات الإجماع السّكوتي، مبيّنا ما يكون منها حجّة وما لا يكون، وجعلها في ثلاث صور: «أحدها: أن لا يشتهر لأهل عصره، لكن لا يُعلم له مخالف، فالأكثر أنّه ليس بإجماع ولا حجّة. والثّانية: أن يشتهر لهم، ويتكرّر ولا مُنكر، فهذا إجماع وحجّة. والثّالثة: أن يشتهر، ولا يتكرّر، فالصّحيح أنّه حجّة وإجماع؛ إذ سكوتهم وعدم إنكارهم ظاهر في موافقتهم غايته أنّه ليس بقطعي»(3)، ونبّه إلى أنّه لا ينعقد الإجماع مع سكوت المجتهد لطلب الدليل، حتى ينقرض العصر(4).
- القول الثاني: أنّه ليس بإجماع ولا حجّة، وإليه ذهب الشافعي والمالكيّة
وحجّتهم أنّه لا ينسب إلى قول، ولا يُحمل السّكوت على الموافقة، إذ قد تكون له أسباب أخرى كعدم وصول المسألة إليهم، أو عدم اجتهادهم فيها، أو عدم مضيّ وقت كاف لتكوين الرّأي، أو أنّ السّاكت لا يرى ضرورة إبداء رأيه، أو يمنعه من البوح خوفه من سطوة ظالم، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي يمكن أن يُحمل عليها السّكوت، فلا دليل في السّكوت على الموافقة، وعلى ذلك فلا يتحقّق الإجماع؛ لأنّ من شروطه الاتّفاق.
- القول الثالث: أنّه ليس بإجماع، ولكنّه حجّة ظنية، وممّن قال بهذا الرّأي بعض الحنفيّة والشّافعية.
وحجّتهم أنّ الإجماع السّكوتي لم تتحقّق فيه حقيقة الإجماع وهي الاتّفاق من الجميع حقيقة لا حدسا؛ لأنّ السّكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة، فلن يضاهي الإجماع الصّريح في الدّلالة على الموافقة، فلا يعتبر إجماعا، ولكن لرجحان دلاليته على الموافقة اعتبر حجّة ظنية(5).
ورأي الإباضيّة(6) في المسألة أنّ الإجماع السّكوتي حجّة، ولكنّ السالميَّ يرى أنّ حجّيّته
(1) ينظر: ابن قدامة، روضة النّاظر،؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 250).
(2) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 258)؛ الشّماخي، مختصر العدل، 493.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 492، 493.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 500.
(5) زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 186، 187.
(6) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 262)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 292، 293؛ السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 111)، اطفيّش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 10)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 255.