أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

المطلب الرّابع: القياس.

تمهيد: القياس هو الدّليل الرّابع من أدلّة التّشريع الإسلامي، ويعتبر أصلا مهمّا من أصوله، فهو من وسائل الاجتهاد في بيان أحكام الشّرع، وبخاصة في النّوازل التي تحدث للناس؛ ذلك أنّ نصوص الكتاب والسنّة تضمّنت الخطوط العريضة، والقواعد العامّة للأحكام الشّرعية، وهذه الأخيرة قد تتوسّع، أو تتغيّر بتغيّر العصر وطبيعة الحياة؛ لذلك نيطت بعلل وأمارات تبيّن أنّ الحكم شُرّع لأجلها، ونجد هذا كثيرا في آيات وأحاديث الأحكام، وهذا رحمة بالأمّة وتيسيرا عليها وفتحا لباب الاجتهاد، فالمجتهد الباحث عن أحكام الله إذا لم يجد الحكم في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو فيما أُجمِع عليه في عصر سابق، فإنّه يلجأ للقياس، وذلك بالنّظر في الوقائع التي تضمّنت حكما مشابها للحادثة التي يبحث عن حكمها، فإذا وجد أنّ علة تشريع ذلك الحكم متحقّقة في تلك الواقعة، غلب على ظنّه تساويهما في الحكم بناء على ذلك.

وفي بيان أهمّية القياس، ودوره في عمليّة الاجتهاد يقول إمام الحرمين الجويني: «القياس مناط الاجتهاد وأصل الرّأي، ومنه يتشعّب الفقه وأساليب الشّريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنّهاية؛ فإنّ نصوص الكتاب والسنّة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما يُنقل منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعا أنّ الوقائع التي يُتوقّع وقوعها لا نهاية لها، والرّأي المبتوت المقطوع به عندنا أنّه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى متلقّى من قاعدة الشّرع، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما يتعلّق به من وجوه النّظر والاستدلال، فهو إذا أحقُّ الأصول باعتناء الطّالب، ومن عرف مآخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصحّ من الاعتراضات عليها وما يفسد منها، وأحاط بمراتبها جلاء وخفاء، وعرف مجاريها ومواقعها، فقد احتوى على مجامع الفقه»(1).

وفيما يأتي-إن شاء الله- سأتعرض لتعريف الأصوليّين للقياس، وأبيّن أركانه، وشروطه، ومذاهب العلماء في الاحتجاج به، ومسالك التّعليل، وقوادح العلّة، مبرزا في ذلك كلّه رأي الشّماخي.

(1) الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص (2/ 485).