أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٨٠واستدل إمام الحرمين على ذلك بأنّ القياس مشتمل على حقائق مختلفة، مما لا نستطيع معها الوفاء بشرائط الحدود(1).
وذهب الجمهور(2) إلى أنّ القياس يحدّ، وبهذا الرّأي أخذ الشّماخي، حيث ردّ على القائلين بعدم إمكانيّة حدّه فقال: «والحقّ أنّه يحدّ؛ إذ لا يمتنع اجتماع بعض المختلفات في أمر ما بتميّز الخاصيّة، فيطلق عليه الرّسم والحدّ باعتبار ذلك»(3).
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأصوليّين مختلفون في كون القياس دليلا مستقلّا، أو أنّه من فعل المجتهد، فمن نظر إليه باعتباره دليلا مستقلّا عبّر عنه بالمساواة أو ما شابه ذلك، ومن قال بأنّه من فعل المجتهد عبّر عنه بالحمل أو الإثبات أو التّعدية(4).
فالقائلون بأنّ القياس من عمل المجتهد نظروا إلى ماهية عمل القياس، وأنّه قائم أساسا على استثمار الأحكام الشّرعيّة من الكتاب والسنّة، أمّا من جعله أصلا قائما بذاته نظروا إلى أنّ القياس طريق من الطّرق التي تُعرف بها الأحكام الشّرعيّة كالقرآن والسّنّة والإجماع.
وقد اعتبر الشّماخيُّ القياس دليلا مستقلّا، وليس من فعل المجتهد، واختار حدّه بأنّه: «جري حكم الأصل على الفرع بجامع»(5).
وبيّن أنّ المقصود من (جري) وجود التّسوية في الحكم، لا ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنّ ثبوت الحكم فيه نتيجة القياس فلا يكون جنسا له.
وعلّل اختياره لفظة (جري)، على خلاف عبارة (حمل معلوم) التي اعتادها الأصوليّون؛ بكون الحمل في نظره ثمرة للقياس، ولا شيء من ثمرة القياس بقياس، ولا يكون جنسا له.
واحترز بقوله (حكم الأصل على الفرع بجامع) من مساواة شيء، وجريه على شيء من غير أمر يجمع بينهما.
وعلّل اختياره لفظة (بجامع) دون عبارة (بعلّة جامعة) بقوله: «ليدخل قياس الدّلالة وقياس
(1) الجويني، البرهان، ص (2/ 489).
(2) السعدي، مباحث العلّة في القياس، 21.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 525.
(4) السعدي، المرجع السابق، 24.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 525.