أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

فذكر أنّ أصحاب المذهب الأول استدلّوا بأنّ الأحكام غير متناهية، والنّصوص الشّرعية لا تحيط بها، فيقضي العقل بالتعبّد بالقياس؛ لئلّا تخلو الوقائع عن الأحكام، ثمّ ردّ عليهم بقوله: «والجواب أنّ التي تتناهى هي الأشخاص، ويجوز التّنصيص على مناط أحكامها بالرّوابط الكلّية، نحو كلّ مسكر حرام، فتتناول جميع الجزئيات، فلا قياس»(1).

أمّا المذهب الثّاني، فاستدلّوا على مذهبهم بأنّ القياس يمتنع جوازه عقلا؛ لأنّه طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فيجوز أن يؤدي إلى نقيض حكم الله تعالى، فأجابهم بأنّ: «منع العقل ممّا لا يؤمن فيه الخطأ مرجّح للتّرك، لا أنّ معناه هو الإحالة بحيث لا يمكن غيره وإلّا لم يقع؛ وقد وقع من الصّحابة وغيرهم»(2).

وردّ على المذهب الثّالث الذي يقضي بمنع التّعبد بالقياس شرعا، وهو مذهب المنكرين له، مستدلاّ بعمل الصّحابة -رضوان الله عليهم- بالقياس ولم ينكر بعضهم على بعض، ومثّل لذلك بحكم الصّحابة بإمامة أبي بكر الصّديق-رضي الله عنه- بالإجماع، قياسا على إمامته في الصّلاة، وغيرها من الأمثلة(3).

ثم أشار باختصار إلى بعض الأدلّة الشّرعية التي استدلّ بها منكرو القياس، والمتمثّلة في بعض الآيات التي تبيّن شموليّة القرآن لجميع الأحكام، وتنهى عن القول بغير علم، وتأمر بردّ المختلف فيه من الأحكام إلى الله والرّسول، وتذمّ اتباع الظّن، منها:

قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾(4)، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾(5)، وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾(6)، وقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(7).

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 527.

(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 528.

(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 528.

(4) سورة الأنعام، الآية: 38.

(5) سورة الإسراء، الآية: 36.

(6) سورة النجم، الآية: 28.

(7) سورة النساء، الآية: 59.