أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(1)، وغيرها من الآيات في هذا المعنى، وفي هذا كلّه دلالة قويّة على وجوب القياس حيث لا نصّ.

2 - من السنّة: ففيها ما يدلّ على القياس قولا وعملا، وأظهر ما استدلّوا به منها دليلان:

الأول: إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- بالاجتهاد برأيه إذا لم يجد نصّا في الكتاب أو السنّة(2).

الثاني: ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قاس في كثير من الأمور، من ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: «كان الفضل رديف النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النّبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فقالت:"إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ " قال: نعم» وذلك في حجة الوداع(3). فهذا قياس من النّبي - صلى الله عليه وسلم - لدين الله على دين العباد في وجوب القضاء.

إلى غير ذلك من الأحاديث التي تبيّن استعماله - صلى الله عليه وسلم - للقياس، وفى هذا إرشاد وتوجيه منه - صلى الله عليه وسلم - لأمّته من بعده؛ إذ لا دليل على اختصاصه به.

3 - من الإجماع: ثبت بالتّواتر المعنوي، عن جمع كبير من الصّحابة أنّهم احتجّوا بالقياس، وعملوا به عند عدم النّص، وتكرّر ذلك منهم وشاع، ولم ينكره عليهم أحد، فكان هذا إجماعا منهم مشروعيّة القياس كوسيلة للاجتهاد فيما لا نصّ فيه.

4 - من المعقول: قالوا إنّ النّصوص التّشريعية في الكتاب والسنّة محدودة ومتناهية، أمّا ما يعرض للنّاس من نوازل ووقائع، غير محدودة، بل إنّ الأحكام الشّرعية تتوسّع وتتغيّر باختلاف العصور، فلا يُعقَل أن تكون النّصوص المتناهية مصادر تشريعيّة لما لا يتناهى، والعمل بالقياس فيه ردّ النّظير إلى النّظير وتسويته معه في الحكم؛ لأنّ الشّارع شرع الأحكام لتحقيق مصالح العباد، فإذا تساوت الواقعة المسكوت عنها مع واقعة منصوص على حكمها في العلّة، كان مقتضى العدالة أن تتساوى معها في الحكم، الذي يحقّق المصلحة المقصودة للشّارع من تشريعه،

(1) سورة البقرة، الآية: 179.

(2) سبق تخريجه.

(3) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوب الحجّ وفضله، حديث رقم: 1513 (2/ 132)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، حديث رقم: 3315 (4/ 101).