أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

يلاحظ أنّ الشّماخيَّ يجعل المناسب الملغي قسم من المناسب المرسل ويعرّفه به، كما أنّه يمثّل للمناسب المرسل بمثال من الملغي، وقد تفرّد بهذا الرأي على خلاف المشهور، والحقّ أنّ المناسب المرسل هو ما لم يرد نصّ من الشرع يدلّ على اعتباره أو إلغائه، ويعبّر عنه بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح، أمّا المناسب الملغي فقد ثبت إلغاؤه من الشارع، فلا يدخل في معنى المرسل.

6 - الشّبه: يعرّفه بأنّه: «واسطة بين الطرد والمناسبة؛ لأنّه وصف يلزم من ربط الحكم به مصلحة غير متعيّنة جهتها، لكن ذلك الوصف يوهم الاشتمال عليها، فيظنّ أنّها مظنّتها، وقالبها الذي يتضمّنها، وإن كنّا لا نطّلع على ذلك السّر»، ومثّل بأمثلة منها: وجوب النّية في التيمّم كالوضوء، والجامع الطهارة؛ لأنّنا نتوهّم أنّ الطهارة مشتملة على مصلحة لأجلها وجبت النيّة، وإن لم نطلع عليها(1).

لم يصرّح الشّماخيُّ برأيه حول حجّية هذا المسلك، إلّا أنّ الظاهر من كلامه أنّه يعتبره حجّة؛ لأنّه ذكر له أمثلة متعدّدة، دون إيراد أيّ اعتراض.

7 - الدّوران: لم يذكر الشّماخيُّ له تعريف معيّنا(2)، إلّا أنّه بيّن بأنّه يشمل معنى الطّرد والعكس، فالطّرد هو متى وُجد الوصف وجد الحكم، والعكس هو متى عُدم الوصف عُدم الحكم، فيدور معه نفيا وإثباتا.

وبيّن خلاف العلماء في إفادته للعلّية، وبيّن أنّ بعضهم ذهب إلى أنّه يفيدها ظنّا، والبعض إلى إفادتها يقينا، وقال آخرون بأنّه لا يفيدها ومثّلوا لذلك بتحريم الخمر لوجود الشّدّة، لا قبلها حين كان عصيرا ولا بعدها حين صار خلّا(3).

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات من 570، إلى 578.

(2) عرّفه السالميّ بأنّه: «عبارة عن وجود وصف من الأوصاف، مع حكم من الأحكام، وعدمه من عدمه؛ أي إذا وُجد ذلك الوصف وُجد معه ذلك الحكم، وإن زال ذلك الوصف زال معه الحكم، فالوصف دائر مع الحكم وجودا وعدما». ينظر: السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 215).

(3) للعلماء في حجيّة الدوران وإفادته العلّيّة، مذاهب:

- المذهب الأوّل: إنّه يفيد القطع، وهذا منقول عن بعض المعتزلة، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي.

- المذهب الثّاني: إنّه يفيد ظنّ العلّية بشرط عدم المزاحم، وهو مذهب الجمهور، ورجّحه الصفي الهندي.

- المذهب الثالث: إنّه لا يفيد العلّية بمجرّده لا قطعا ولا ظنّا، وهو اختيار أبي منصور وابن السّمعاني، وأبي إسحاق والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم وهو منسوب للغزالي، كما أنّه مذهب عامّة الأصوليّين من الحنفية، وهو ظاهر مذهب المالكيّة. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 374)؛ السعدي، مباحث العلة، 476.