أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨المطلب الأوّل: الاستصحاب.
الفرع الأوّل: تعريف الاستصحاب
لغة: هو طلب المصاحبة، واستمرارها، يقال: «استصحب الرّجل دعاه إلى الصّحبة وكل ما لازم شيئا فقد استصحبه»(1).
اصطلاحا: عرّفه الشّماخيُّ بقوله: «أن يكون الحكم ثابتا، ولم يظنّ عدمه، فهو مظنون البقاء»(2)، فما عُلِم وجوده في الماضي، ثمّ حصل تردّد في زواله، حكم ببقائه استصحابا لوجوده السّابق، وما عُلِم عدمه في الماضي، ثمّ حصل تردّد في وجوده حكم باستمرار عدمه استصحابا لعدمه السّابق(3)، وعليه فالاستصحاب لا يلجأ المجتهد إلى الاستدلال به إلّا عند انعدام الدليل من الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو القياس؛ لذلك يعتبر آخر مدار الفتوى.
وقد ذكر له الأصوليّون خمسة أنواع وهي:
1 - استصحاب البراءة الأصليّة.
2 - استصحاب الوصف المثبت للحكم الشّرعي حتّى يثبت خلافه.
3 - استصحاب ما دلّ العقل والشّرع على ثبوته واستمراره.
4 - استصحاب حكم الإجماع السّابق في محلّ النّزاع.
5 - استصحاب العموم إلى أن يرد التّخصيص، واستصحاب النّص إلى أن يرد النّسخ(4).
الفرع الثاني: حجّيّة الاستصحاب:
ذكر الشّماخيُّ أنّ الأصوليّين مختلفون في الاستدلال بالاستصحاب؛ وأرجع ذلك لإفادته ظنّ البقاء، وعدم إفادته ذلك، ثمّ بيّن أنّ أكثر المحقّقين على القول بحجّية الاستدلال به، سواء كان الحكم الثابت به نفيا أصليّا، كالقول بأنّ الأصل براءة الذّمة، وبقاء ما كان على ما كان، أو كان حكما شرعيّا، ورجّح هذا القول.
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "صحب"، ص (1/ 519).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 586.
(3) زيدان، الوجيز، 267.
(4) مصطفى ديب البغا، أثر الأدلّة المختلف فيها، 187، 188.