أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

واستدلّ على ذلك بقوله: «لأنّ ما تحقّق وجوده أو عدمه، ولم يظنّ طروء معارض يزيله، فإنّه يلزم ظنّ بقائه، وهذا أمر ضروري وظاهر، كما لو شكّ في حصول الزّوجية، حرم عليه الاستمتاع بها إجماعا، ولو ظنّ دوام الزّوجية بعد حصولها، جاز له الاستمتاع بها إجماعا»(1).

وردّ على الحنفيّة المنكرين لحجّيته(2) فقال: «وأكثر الحنفيّة على إبطاله، ولا حجّة لهم؛ لأنّ الأدلّة الشّرعية منحصرة في النّص والإجماع والقياس، لجواز الرّابع وهو الاستصحاب»(3).

وإلى حجّية الاستصحاب ذهب الوارجلاني أيضا(4)، وبيّن السّالميُّ أنّه حجّة عند الإباضيّة، موردا أدلّة حجّيته وبعض فروعه الفقهيّة(5).

من خلال ما سبق بيانه من تعريف الاستصحاب، وحجّية الاستدلال به، يُستخلص ما يأتي:

- أنّ الاستصحاب لا يثبت حكما جديدا كغيره من الأدلّة، ولكنّه يفيد استدامة الحكم السّابق بدليله.

- لا يُصار إلى الاستصحاب، إلا عن عدم وجود الدّليل الخاص في حكم المسألة؛ لذلك اعتبره العلماء آخر مدار الفتوى.

- عمل المجتهدين بالاستصحاب يختلف، باختلاف المصادر والأدلّة التي يعتبرها كلّ منهم حجّة، فمن قصر أدلّة الأحكام على الكتاب والسنّة والإجماع، يعمل بالاستصحاب في كلّ ما لم يجد فيه نصّا ولا إجماعا، ومن يعتبر القياس حجّة لا يلجأ إلى الاستصحاب إلّا إذا لم يجد قياسا، فتضيق دائرة

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 586، 587.

(2) العلماء في الاحتجاج بالاستصحاب على ثلاثة مذاهب:

- المذهب الأوّل: ذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد والإباضيّة وغيرهم، إلى أنّه حجّة في النّفي والإثبات.

- المذهب الثّاني: ذهب المتأخّرون من الحنفيّة، إلى أنّه حجّة في النّفي دون الإثبات.

- المذهب الثّالث: ذهب الكثير من الحنفية، وبعض أصحاب الشافعي، وأبو الحسين البصري، وجماعة من المتكلّمين، إلى أنّ ليس بحجّة أصلا، لا في النّفي ولا في الإثبات. ينظر: العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، 367 وما بعدها؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 396) وما بعدها؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 259)؛ مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها، 188، 189.

(3) الشّماخي، المصدر السابق، 587.

(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 18).

(5) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 260) وما بعدها.