أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢١٨ولم يخل تعريف من التعريفات التي أوردها الأصوليّون من الاعتراضات(1).
ولعلّ من أحسن التّعاريف التي عُرّف بها الاستحسان أنّه: «العدول في مسألة عن مثل ما حُكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي التّخفيف ويكشف عن وجود حرج عند إلحاق تلك الجزئية بنظائرها في الحكم» فهو شامل للنّاحية الشّكلية والموضوعيّة(2).
الفرع الثاني: تحرير محلّ النّزاع فيه وحجيّته:
اشتهر الخلاف بين العلماء حول الاستحسان كدليل كاشف عن الأحكام، كغيره من الأدلّة، واشتدّ فيه النّزاع، وبالأخصّ بين الحنفيّة والشّافعية، حيث اشتهر عن الحنفيّة أخذهم به على نطاق واسع، ويظهر ذلك جليّا في كتبهم، حتى قال محمد بن الحسن(3) عن شيخه أبو حنيفة: «إنّ أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس، فإذا قال أستحسن، لم يلحق به أحد».
وقد نسب الشّماخيُّ القول بالاستحسان إلى الحنفيّة والحنابلة، وبيّن أنّ الأكثرين ينكرون كونه دليلا(4)، وذكر السّالميُّ نسبته للحنفيّة والمعتزلة(5).
ويرجع سبب اختلاف العلماء حول حجيّته، لكون هذا المصطلح غير واضح المقصود؛ لخفاء في معناه، أو إجمال أو عدم دقّة، حيث إنّ المنكرين له فهموا أنّ معناه التّشريع بالهوى، وبدون دليل فأنكروه.
والحقّ أنّ الاستحسان عند القائلين به لا يعدو أن يكون ترجيحا لدليل على دليل، وهو بهذا المعنى لا يخرج عن الأدّلة المتّفق عليها، فهو إذًا محلّ اتّفاق بين العلماء وإن اختلفوا في التّسمية.
(1) ينظر تعريفات الأصوليّين للاستحسان، مع الاعتراضات الواردة عليها: يعقوب الباحسين، الاستحسان -حقيقته، أنواعه، حجّيته، تطبيقاته المعاصرة-، ط 1، مكتبة الرّشد، الرياض، السعودية، 1428 هـ-2007 م، صفحات 13 - 40.
(2) الباحسين، المرجع نفسه، 41.
(3) هو أبو عبد الله محمّد بن الحسن بن فرقد الشّيباني، الأصولي والفقيه الحنفي، صاحب الإمام أبي حنيفة، ولد سنة 131 هـ، وتوفي سنة 189 هـ، من آثاره:"المبسوط"، "الجامع الكبير"، وله رواية لموطأ الإمام مالك. تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، طبقات الحنفيّة، ص (3/ 122)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 140).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 588.
(5) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 185).