أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

المبحث الرّابع: طرق دلالات الألفاظ على الأحكام.

تمهيد: لما كان استنباط الأحكام الشّرعية من نصوص الكتاب والسنّة متوقّفا على فهم معاني ألفاظهما مفردة أو مركّبة، وفهمها متوقّف على معرفة طرق تلك التراكيب على معانيها؛ لأنّ النّص قد يدلّ على أكثر من معنى بطرق مختلفة، وهذه المعرفة لا بدّ منها لتفسير النّص الشّرعي، من كتاب أو سنّة تفسيرا صحيحا عند الاستنباط، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام.

ولا تقتصر هذه المعرفة على ما يستفاد من ألفاظها وعباراتها؛ بل هي متنوّعة فتشمل العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء باتّفاق الأصوليّين، وإن اختلفوا في تقسيم هذه الدّلالات، ولكنّهم في النّهاية يُفضون إلى نتيجة واحدة.

كما يتّفق الأصوليّون على أنّ هذه الدّلالات معتبرة في نظر الشّارع، وينبغي للنّاظر في الأدلّة الشّرعية؛ لاستنباط الأحكام أن يكون على دراية بها، وأن يعمل بمقتضاها ما لم يوجد لها معارض أقوى.

ولكلّ من المتكلّمين والحنفيّة منهجه في تقسيم هذه الدّلالات، تماما كما كان اختلافهم في تقسيم اللّفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه، فالمتكلّمون يقسّمون دلالة اللّفظ على المعنى إلى قسمين أساسيّين هما: دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم، أمّا الحنفيّة فيقسّمون هذه الدّلالات إلى أربعة أقسام وهي: دلالة العبارة، دلالة الإشارة، دلالة الدّلالة، دلالة الاقتضاء.

وينحصر اختلافهم في اعتبار هذه الدّلالات من عدمه، في مفهوم المخالفة.

وتقسيم الشّماخي جاء موافقا لجمهور المتكلّمين، باعتباره سالكا منهجهم في التّأليف، حيث خصّص بابا من كتابه، لبيان دلالات المنطوق والمفهوم، تناول فيه أقسامهما.

وفيما يأتي سأعرض هذه الأقسام التي ذكرها الشّماخي، وأشير إلى تقسيم الحنفيّة باختصار.

ولعلّه من الأفيد قبل الحديث عن أقسام الدّلالات، ذكر دلالات الألفاظ الوضعيّة على المعاني وأنواعها؛ لأنّها ذات علاقة وثيقة بأقسام الدّلالات.