أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

الفرع الثّاني: أنواع المفهوم.

قسّم الشّماخيُّ المفهوم إلى قسمين:

أوّلا: مفهوم الموافقة:

عرّفه بقوله: «هو أن يكون المسكوت عنه وهو غير محلّ النطق، موافقا للحكم المذكور، وهو محلّ النطق، ويسمّى فحوى الخطاب، ولحنه»(1).

وبعبارة أخرى: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه، وموافقته له نفيا وإثباتا؛ لاشتراكهما في معنى يدرك بمجرّد معرفة اللغة، دون الحاجة إلى بحث أو اجتهاد(2).

ويتّفق الشّماخيُّ مع الوارجلانيِّ(3) وابن الحاجب(4) على أنّ مفهوم الموافقة مرادف لفحوى الخطاب ولحنه، وليسا بقسمين له كما يرى بعض الأصوليّين، ويكون مفهوم الموافقة بهذا موافقا لدلالة النّص عند الحنفيّة(5).

وقد ذكر له الأصوليّون أمثلة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾(6)، فإنّ الآية دلّت بعبارتها على أنّ الله تعالى لا يظلم النّاس ولو بشيء قليل كالفتيل، وهو يدلّ على نفي الظّلم لهم فيما زاد عليه بطريق الأولى؛ لأنّه سبحانه منزّه عن الظّلم. وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾(7)، فقد دلّ منطوق النّص على تحريم التّأفّف والنّهر، ودلّ مفهومه على تحريم الضّرب والشّتم من باب أولى.

ويرى الشّماخيُّ أنّه لا يحصل فهم الأعلى من مجرّد ذكر الأدنى، وبالعكس، كما يقول بعض الأصوليّون(8)، بل يُفهم من السّياق، وهذا ما يميّزه عن دلالة المنطوق.

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 420.

(2) محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 608).

(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 18).

(4) ينظر: ابن الحاجب، مختصر المنتهى الأصولي، ص (2/ 934)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 254.

(5) محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (1/ 608).

(6) سورة الإسراء، الآية: 71.

(7) سورة الإسراء، الآية: 23.

(8) ذهب ابن الحاجب إلى هذا القول، واصطلح عليه بالتّنبيه، وتابعه في ذلك العضد الإيجي؛ ينظر: ابن الحاجب، مختصر المنتهى الأصولي، ص (2/ 930)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى الأصولي، 254.