أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣كما أنّه لم يعتبر مفهوم الموافقة قياسا، وردّ على من اعتبره من قبيل القياس الجلي(1)، واستدلّ على ذلك بأنّ مفهوم الموافقة مستعمل في لغة العرب قبل ورود الشّرع، كما أنّه يشترط في القياس ألّا يكون الأصل مندرجا في الفرع بالاتّفاق(2).
وقسّم الشّماخيُّ مفهوم الموافقة إلى قطعيّ وظنّي، وبيّن أنّ القطعيَّ هو ما كان فيه المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه معلوما جزما، ومثّل له بتحريم ضرب الوالدين المفهوم من الآية السّابقة، وغيرها من الأمثلة.
أمّا الظنيَّ فهو ما كان فيه المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه راجحا على غيره، ومثّل له فقال: «إذا كان القتل الخطأ واليمين الغير الغموس يوجبان الكفارة، فالعمد والغموس أولى، والمعنى المعلّل به الزّجر، وهو في العمد والغموس أشدّ، لكن يمكن أن يكون التّعليل في الخطأ واليمين التّلافي، ولا يقبله العمد والغموس لعظمهما»(3).
ثانيا: مفهوم المخالفة:
عرّف الشّماخيُّ مفهوم المخالفة بقوله: «والمخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه، وهو الذي فسّرناه بغير محلّ النّطق، مخالفا للحكم المذكور، وهو الذي فسّرناه بمحلّ النّطق ويسمى بدليل الخطاب»(4).
ويُعرّف أيضا بأنّه: «دلالة اللّفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه، مخالف لما دلّ عليه المنطوق؛ لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم»(5).
(1) قال بهذا الرّأي، الإمام الشافعي، وأكثر الشافعية كالجويني، والشيرازي، والرّازي، كما أخذ به بعض الحنفية والحنابلة، كأبي الحسن الجزري. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 303)؛ عبد الكريم النملة، المهذّب علم في أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1750).
(2) إلى هذا الرأي ذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، كابن الحاجب والقرافي، وبعض الشافعية، كالآمدي وتاج الدين السبكي، وكثير من الحنابلة، كأبي يعلى، وهو قول المعتزلة. ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 421؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 255؛ الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 303)؛ عبد الكريم النملة، المرجع السابق، ص (4/ 1749).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 422.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 422.
(5) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، 609.