أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥حيث بيّن أنّ الجمهور المثبتون لحجّيته، قد استدلّوا بأدلة كثيرة، كما استدلّ النّافون كذلك، وذكر أنّ الوارجلاني أورد كثيرا من أدلة الإثبات(1).
واعتبر الشّماخيُّ أنّ أحسن ما استدلّ به الجمهور هو الدّليل العقلي في قولهم:
- إنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لابدّ له من فائدة، لاسيما في كلام الله ورسوله، فإن لم يكن هنالك مقاصد بيانية أخرى من وراء ذلك القيد، ولم يقم دليل خاص على حكم المسكوت غير أخذه من التّقييد، كان لابدّ من الأخد بهذا الطريق من طرق الدّلالة، وإلّا كان ذكر القيد عبثا ينزّه عنه الشارع(2).
والرّاجح ما ذهب إليه جمهور المتكلّمين، من اعتبار مفهوم المخالفة حجّة شرعيّة، وطريق من طرق الدّلالات، ويؤيّد هذا طبيعة اللّغة العربية، ونفي العبث عن نصوص الشّارع، كما أنّ مقاصد الشّارع، وإن لم يمكن الإحاطة بها، إلّا أنّه إذا لم تظهر للمجتهد فائدة سوى ما يظهر له من تخصيص الحكم بما وُجد فيه القيد، فإنّه يغلب على ظنّه أنّ ورود القيد إنّما كان لهذه الفائدة، فينتفي الحكم عمّا لا يوجد فيه هذا القيد، ويكفي الظّن الغالب في العمل بدلالة مفهوم المخالفة؛ لأنّ دلالته ظنّية لا قطعية باتّفاق القائلين به(3).
شروط العمل بمفهوم المخالفة:
ذكر الشّماخي ثلاثة شروط ينبغي توفّرها في مفهوم المخالفة، حتى يصحّ الاحتجاج به وهي:
- ألّا تظهر أولويّة المسكوت عنه ولا مساواته للمنطوق به، وإلّا كان مفهوم موافقة.
- ألّا يخرج القيد فيه مخرج الأغلب المعتاد، ومثّل له بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾(4)، فإن قيد "في حجوركم" خارج مخرج الغالب، فمن عادة الناس أنّ المرأة إن كان لها بنت وتزوّجت برجل، تأخذها معها لتربيتها.
- ألّا يكون لسؤال سائل عن المذكور، أو حادثة خاصة به، أو جهالة بالمسكوت عنه(5).
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 179) وما بعدها.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 423؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 672).
(3) ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 371)؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 373.
(4) سورة النساء، الآية: 23.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 428.