أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

3 - أن يكون الاستثناء غير مستغرق: اتّفق العلماء على عدم جواز استغراق الاسثناء كلّ المستثنى منه، بحيث لا يبقى منه فرد، واختلفوا في جواز استثناء الأكثر بين مجيز له ومانع.

واختار الشّماخيُّ مذهب الجمهور المجيزين له؛ واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾(1)، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله تعالى استثنى الغاوين من عباده، ومعلوم أنّهم هم الأكثرية، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾(2) فدلّ هذا على جواز استثناء الأكثر، ولم ينقل الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة، واكتفى فقط بترجيح هذا الرّأي، كما رجّح القول بجواز الاستثناء المساوي، واستثناء الأقلّ(3).

- مسألة الاستثناء بعد جمل معطوفة:

ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في حكم الاستثناء بعد جمل معطوفة بعضها على بعض، هل يرجع على جميعها، أم على الجملة الأخيرة فقط؟

ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنم بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(4).

حيث ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الاستثناء يرجع على الجميع، وقالت طائفة منهم الحنفيّة وأبو عبد الله البصري هو عائد إلى الجملة الأخيرة، وذهب البعض الآخر إلى عدم رجوعه إلى الجميع اتّفاقا، وقال البعض بالتوقّف.

أورد الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة مع ما استدلّوا به، ثمّ بيّن أنّ محلّ النّزاع فيها يكمن في الحالة التي يرد فيها الاستثناء بعد جمل معطوفة، دون وجود قرينة، أمّا مع وجودها فلا خلاف؛ لأنّ القرينة هي التي تحدّد ذلك، ومثّل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾(5)، فالعلماء متّفقون على أنّه لا يرجع إلى الرّقبة.

(1) سورة الحجر، الآية: 42.

(2) سورة يوسف، الآية: 103.

(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 395.

(4) سورة النور، الآية: 4، 5.

(5) سورة النساء، الآية: 92.