أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦2 - التّخصيص بالحسّ:
وهو أن يرد الشّرع بنصّ عامّ، يعلم الحسُّ باختصاصه ببعض ما يشتمل عليه العموم، فيكون ذلك مخصّصا للعموم(1)، ولم يفصّل الشّماخيُّ القول في التّخصيص بالحس، وإنّما اكتفى بالتّمثيل دون التّعليل حيث ذكر من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾(2)، وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾(3)(4).
3 - التّخصيص بالكتاب:
يرى الشّماخيُّ أنّ التّخصيص بدليل من الكتاب واقع، سواء تقدّم الخاص أو العام، أو جُهل التّاريخ لوقوعه، وذكر أنّ البعض يشترطون تقدّم العام على الخاص؛ لأنّه إن تقدَّم الخاص يصير نسخا، أمّا إن جُهل تاريخهما فيتوقّف ولا يجري التّخصيص، واستدلّوا على ذلك بقول ابن عباس: «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث»(5).
وردّ على هذه الحجّة بأنّ التّخصيص أولى من النّسخ؛ لأنّه أكثر ولا رفع فيه للحكم، فيصار إليه بخلاف النّسخ، وحمل كلام ابن عباس على ما لا يقبل التّخصيص جمعا بين الأدلّة.
كما أنكر على الظّاهرية قولهم إنّ تخصيص الكتاب لا يكون إلّا بالسنّة فقط، فلا يخصّص الكتاب الكتاب؛ مستدلّين بقوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(6)، حيث قالوا إن التّخصيص هو التّبيين، والرّسول - صلى الله عليه وسلم - هو المبيِّن.
وبيّن الشّماخيُّ أنّ هذا الاستدلال معارض بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾(7)، ثمّ قال: «والحقّ أنّ الكلّ ورد على لسانه - صلى الله عليه وسلم -، فتارة يبيّن الكتاب بالكتاب، وتارة بالسنّة»(8).
(1) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 255).
(2) سورة النمل، الآية: 23.
(3) سورة الأحقاف، الآية: 25.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 403.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 403.
(6) سورة النحل، الآية: 44.
(7) سورة النحل، الآية: 89.
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 403، 404.