أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩العمومات، وتدلّ على اختصاصها به، هذا إذا لم يجب التّأسّي به في ذلك، أمّا إن وجب التّأسّي فهي نسخ وليست تخصيصا، ونقل عن بعضهم القول بأنّ فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يكون مخصّصا فيجب التأسّي به مطلقا، وعن البعض القول بالوقف، ولم يذكر أدلّة أصحاب هذه الأقوال، كما لم يناقشها(1).
- التّخصيص بإقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم -:
يرى الشّماخيُّ أنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - إذا علم بفعلٍ للمكلّف مخالف للعموم ولم يُنكره عليه مع قدرته على الإنكار، كان هذا الإقرار منه - صلى الله عليه وسلم - تخصيصا لذلك العموم، ومثّل لذلك بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصّلاة بعد الصّبح، ثمّ رأى قيسا يصلّي بعد الصّبح ركعتي الفجر، فأقرّه عليه السّلام، فدلّ على جواز الرّكعتين دون غيرهما، وردّ على القائلين بأنّ إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - هو تخصيص للفاعل، بمعنى يجوز له ذلك الفعل دون غيره، إن لم تظهر علته لتعذّر الدليل، بأنّ هذا باطل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»(2)، «فهذا الحديث ظاهر العموم والحمل عليه في كلّ قضية أولى، ولو كان التّقرير خاصّا بالفاعل لوجب على النّبي عليه السّلام بيانه بعد أن عرف أمّته»(3).
4 - التّخصيص بالإجماع:
الإجماع يعتبر مخصّصا لعمومات الكتاب والسنة؛ لأن دلالته قطعية، وقد وقع هذا النّوع من التّخصيص في نصوص كثيرة، وذكر الشّماخي مثالا له وهو:
قوله تعالى في حدّ القاذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(4)، وخصّصت هذه الآية بالإجماع على جلد العبد أربعين جلدة(5).
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾(6)، فإنّ الإجماع منعقد على ألّا جمعة على عبد ولا امرأة.
5 - التّخصيص بالقيّاس:
ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في جواز التّخصيص بالقياس والرّأي، حيث ذهب الجمهور إلى جوازه، ونسبه الرّازي لأبي حنيفة، ومالك، والشّافعي، وأبي الحسين البصري، والأشعري، وزاد ابن الحاجب نسبته لأحمد وإلى منع التّخصيص به مطلقا ذهب أبو عليّ الجبّائي، وأبو هاشم، وذهب عيسى بن أبان إلى أنّه يجوز إن كان العام قد خصّص من قبل ذلك بنصّ قطعيّ، وذهب الكرخي إلى أنّه يجوز إن كان قد خصّ بدليل منفصل وإلّا فلا، وقال أبو سريج يجوز التّخصيص بالقياس الجليّ دون الخفيّ، وذهب كلّ من الباقلاني والجويني والغزالي إلى التوقّف عند تعادل العام والقياس، أما إن تفاوتا رجّح أقواهما(7).
أورد الشّماخيُّ هذه المذاهب مع ما استدلّ به كلّ فريق، موردا الاعتراضات على تلك الأدلّة، واختار جواز التّخصيص بالقياس إن كانت علّته ثابتة بنصّ أو إجماع، حيث قال: «والمختار إن ثبتت العلة بنص أو إجماع، أو كان الأصل مخصّصا لإجماع؛ أي مخرجا عنه خصّ به العام، أو ظهرت قرينة ترجّحه وإلّا فالعام أولى»(8).
وذكر من أمثلته قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾(9)، حيث عمّ المديون وغيره، وخصّ المديون بالقياس على الفقير.
ومن أمثلته أيضا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾(10)، حيث أحلّ جميع البيوع، وخصّ الأرز بالأرز مُتفاضلا بالقياس على البرّ؛ لأنّ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البرّ بالبرّ ربا، إلا هاء وهاء، والشّعير بالشّعير ربا إلا هاء وهاء، والتّمر بالتّمر ربا إلا هاء وهاء»(11)، مخصّص لعموم تحليل
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 407، 408.
(2) سبق تخريجه.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 408، 409.
(4) سورة النور، الآية: 4.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 406.
(6) سورة الجمعة، الآية: 9.
(7) ينظر: الشيرازي، اللمع 37؛ الرازي، المحصول، ص (3/ 148)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 233؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 411، 412؛ أمير بادشاه، تيسير التّحرير، ص (1/ 322)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 270)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 108).
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 414.
(9) سورة التوبة، الآية: 103.
(10) سورة البقرة، الآية: 275.
(11) متّفق عليه، واللّفظ للبخاري، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع التّمر بالتّمر، حديث رقم: 2134، ص (3/ 68)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقدا، حديث رقم: 4143، ص (5/ 43).