أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢الشّماخيُّ لذلك بقوله: «هو دليل شرعيّ عارضه بمثله، فيقع التّخصيص به جمعا بين الأدلّة»(1)، بمعنى أنّ كلّا من العام ومفهوم المخالفة دليلان شرعيّان، فإذا تعارض هذان الدّليلان، فإنه يُعمل بالخاص وما بقي بعد التّخصيص جمعا بين الدّليلين، وهو أولى من العمل بالعام وترك الخاص.
وقد تقدّم في مبحث الدّلالات ذكر أنواع مفهوم المخالفة، من مفهوم الشّرط، الصّفة، الغاية، الحصر، وهذه كلّها تعتبر من مخصّصات العموم المتّصلة عند جمهور المتكلّمين.
وذكر الشّماخيُّ بعض الأمثلة لتخصيص العام بمفهوم المخالفة منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في سائمة الغنم زكاة»(2)، فهو مخصّص لقوله: «في الأنعام زكاة»، فتخرج المعلوفة بمفهوم المخالفة.
واحتجّ المنكرون للتّخصيص بمفهوم المخالفة بأنّ العام منطوق به، والمنطوق أقوى من المفهوم؛ نظرا لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم، فيكون المفهوم أضعف، فلو خُصّ العام به للزم من ذلك العمل بالأضعف وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول، وعليه فلا يجوز التّخصيص به(3).
8 - التّخصيص بالعرف والعادة:
ينقسم العرف إلى قسمين: عرف قولي، وعرف عملي، فأمّا الأوّل فهو محلّ اتّفاق بين العلماء في جواز تخصيص العام به، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(4) البيع بالمعنى اللّغوي هو المبادلة في المال وغيره، وبالمعنى الشّرعي هو مبادلة المال بالمال، والمعتبر في تفسير معنى البيع في الآية هو المعنى الشّرعيّ لا اللّغوي، فيخصّص به العموم.
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 407.
(2) اشتهر بين الأصوليّين الاستدلال بهذا الحديث، ولم أعثر له على تخريج بهذا اللّفظ؛ وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ قريب منه عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ- ونصّه: « … وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة … »، كتاب الزّكاة، باب زكاة الغنم، حديث رقم: 1445، ص (2/ 118).
(3) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 406، 407؛ عبد الكريم النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1623).
(4) سورة البقرة، الآية: 275.