أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦الفرع الثّاني: حكم المطلق والمقيد:
ذكر الأصوليّون أنّ المطلق يجري على إطلاقه، ما لم يرد دليل يدلّ على التّقييد، وذلك إذا ورد مطلقا في موضع دون أن يقيّد أن يقيّد في موضع آخر، فإن دلّ الدليل على تقييد المطلق عُمل بالقيد كما في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾(1)، فإنّ الوصيّة وردت مطلقة عن التّقييد بمقدار معيّن، ولكن قام الدّليل من السنّة على تقييدها بمقدار معيّن وهو الثّلث، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقّاص لما استشاره في إيصائه بماله كلّه أو نصفه، فمنعه النّبي - صلى الله عليه وسلم - وبيّن له أنّ المقدار الجائز هو: «الثّلث، والثّلث كثير … »(2)، فصارت الوصيّة مقيّدة بهذا القدر، فلا يجوز الزّيادة عليه إلّا بإجازة الورثة.
أمّا المقيّد فيُعمل به على تقييده ما لم يدلّ دليل على إلغاء القيد، فيُلغى حينئذ القيد اللّاحق به، مثاله قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾(3)، حيث ورد الصّيام مقيّدا بتتابع الشّهرين، وبكونه قبل العودة إلى التماس والاستمتاع بالزّوجة، التي ظاهر منها، فيُعمل به على تقييده بهذين القيدين، فلا يُجزئ في كفارة الظّهار تفريق الصيام، كما لا يُجزئ كونه بعد الاستمتاع بالزّوجة وإن كان متتابعا(4).
وبيّن السّالميُّ حكم المطلق والمقيّد بقوله: «حكم المطلق والمقيّد أن يجري كلّ واحد منهما في موضعه إذا اختلفا سببا وحكما، فالمطلق يجري في إطلاقه، والمقيّد في موضع تقييده ولا يصحّ أن يُحمل أحدهما على الآخر ههنا بلا خلاف بين الأصوليين لما في ذلك من التّنافي»(5).
وقد فصّل الأصوليوّن الحالات التي يجوز فيها حمل المطلق على المقيّد، والحالات التي لا يجوز فيها ذلك، بل ينبغي أن يُعمل بكلّ واحد منهما في محلّه. وفيما يأتي بيان لهذه الحالات.
(1) سورة النّساء، الآية: 11.
(2) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصيّة بالثّلث، حديث رقم: 2743، ص (4/ 3)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصيّة، باب الوصيّة بالثّلث، حديث رقم: 4296، ص (3/ 68).
(3) سورة المجادلة، الآية: 4.
(4) ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 207، 208)؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 192)؛ الدريني، المناهج الأصولية، 670 وما بعدها.
(5) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 78).