أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

بمعنى أن يكون المطلق والمقيّد متّحدان في الحكم، وفي السّبب الذي شرّع من أجله الحكم، ففي هذه الحالة يُحمل المطلق على المقيّد باتّفاق الجمهور، وفي ذلك يقول الشّماخي: «وإن اتّفق حكمهما وموجبهما، حُمل المطلق على المقيّد اتّفاقا»(1)، سواء تقدّم أحدهما على الآخر أو تقارنا في الوجود، ثمّ ذكر أنّ البعض اشترط عدم تأخّر المقيّد وإلّا كان ناسخا للمطلق، وردّ هذا القول؛ مستدلّا لذلك «بأنّ التّقييد بيان، وأيضا لو كان نسخا لكان التّخصيص نسخا؛ لأنّه نوع من المجاز مثله، ويلزمهم أن يكون تأخير المطلق نسخا؛ وأيضا لأنّ التّنافي إنّما يتصوّر عن الطّرفين»(2).

ومن أمثلة هذه الحالة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾(4)، فلفظ الدّم ورد في الآية مطلقا، وورد في الثانية مقيّدا بكونه مسفوحا، والحكم في الآيتين واحد هو حرمة تناول الدّم، وسبب الحكم واحد وهو الضّرر النّاشئ عن تناول الدّم، فيحمل المطلق على المقيّد، فيكون الدّم المحرّم هو المسفوح، أمّا الدّم الجامد كالكبد والطّحال فليس بمُحرَّم(5).

2 - اختلاف الحكم والسّبب:

إذا اختلف المطلق والمقيّد في الحكم والسّبب، فلا يُحمل المطلق على المقيّد اتّفاقا، بل يُعمل بالمطلق في موضعه، وبالمقيّد في موضعه؛ إذ لا صلة ولا ارتباط بين النّصّين أصلا.

وفي هذا يقول الشّماخيُّ: «اعلم أنّ المطلق والمقيّد إذا اختلف حكمهما، فلا يُحمل المطلق على المقيّد، قيل اتّفاقا»، ولم يذكر لذلك مثالا(6).

ومن الأمثلة التي ذكرها الأصوليّون قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(7)،

وقوله في آية الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(8)، فإنّ لفظ الأيدي في الأولى ورد مطلقا، وفي الثّانية مقيّدا، والحكم مختلف فيهما؛ إذ هو في الأولى وجوب القطع وفي الثّانية وجوب الغسل، والسّبب مختلف كذلك؛ إذ هو في الأولى السّرقة، وفي الثّانية إرادة القيام إلى الصّلاة، ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيّد اتّفاقا، فلا يقيّد قطع اليد في السّرقة إلى المرفق(9).

3 - اختلاف الحكم واتّحاد السّبب:

لم يُفرِد الشّماخيُّ لهذه الحالة قسما مستقلا، مثلما فعل الوارجلانيُّ والسّالمي، وإنّما أدخلها ضمن الحالة الثانية التي فيها اختلاف المطلق والمقيّد في الحكم والسّبب؛ لأنّه في كلا الحالتين حصل الاتّفاق بين الجمهور على عدم حمل المطلق على المقيد. وعبّر الوراجلانيّ عن هذه الحالة باتّفاق الجنس واختلاف الحكم(10).

وبيان هذه الحالة أنّ المطلق والمقيّد إذا اتّفقا في السّبب، واختلفا في الحكم، ففي هذه الحالة العلماء متّفقون على إبقاء المطلق على إطلاقه، والمقيّد على تقييده ولا يُحمل أحدهما على الآخر.

ويمثّلون لذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(11)، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾(12)، فالحكم في النّص الأول وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيّدة بالمرافق، والحكم في النّص الثّاني، مسح الأيدي التي وردت مطلقة، والسّبب للحكمين متّحد وهو إرادة الصّلاة، ففي

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415.

(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 415.

(3) سورة المائدة، الآية: 2.

(4) سورة الأنعام، الآية: 145.

(5) ينظر: الدّريني، المناهج الأصولية، 678؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 286.

(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415.

(7) سورة المائدة، الآية: 38.

(8) سورة المائدة، الآية: 6.

(9) ينظر: الدّريني، المرجع السابق، 682؛ زيدان، المرجع السابق، 287.

(10) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 171)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 80)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 488.

(11) سورة المائدة، الآية: 6.

(12) سورة المائدة، الآية: 6.