أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

وذكر الشّماخيُّ من أمثلة هذه الحالة، آية الظهار، وآية القتل الخطأ في اشتراط الإيمان في إعتاق الرقبة، ومثّل أيضا بآية الظّهار، وآية كفّارة اليمين في اشتراط التّتابع في الصّيام.

ففي قوله تعالى في كفّارة الظّهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾(1) تحرير إعتاق الرقبة جاء مطلقا دون تقييده بالمؤمنة، أمّا في كفارة قتل الخطأ في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾(2) جاء تحرير الرّقبة مقيّدة بوصف الإيمان.

والحكم في الآيتين واحد وهو تحرير الرّقبة، ولكن اختلف السّبب فيهما، حيث هو إرادة العود في كفارة الظّهار، والقتل الخطأ في الآية الثّانية، والإطلاق والتّقييد في الحكم.

فالحنفيّة لا يحملون المطلق على المقيّد في النّصّين، ويوجبون العمل بكلّ منهما حيث ورد، ففي كفارة الظّهار تُجزئ الرّقبة الكافرة عملا بالمطلق، أمّا كفّارة القتل الخطأ فلا تُجزئ إلّا الرّقبة المؤمنة عملا بالمقيّد.

وحجّتهم في ذلك أنّه لا يلجأ إلى حمل المطلق على المقّيد إلّا عند التّنافي بين الحُكمين، بحيث يؤدّي العمل بكلّ منهما إلى التّناقض، أمّا في هذا المثال فلا تنافي بين الحكمين، كما قالوا إنّ المناسب لقتل الخطأ التّشديد، فقيّدت الرّقبة بكونها مؤمنة، أمّا الظهار من الزّوجة فالمناسب له التّخفيف، فجُعل التّكفير بمطلق الرّقبة إبقاء على الحياة الزّوجيّة.

كما استند الحنفيّة في رأيهم إلى عدم الاعتداد بمفهوم المخالفة في تفسير نصوص الكتاب والسنّة، فالقيد في اجتهادهم لا مفهوم له(3).

أمّا الجمهور فذهبوا إلى حمل المطلق على المقيّد في الآيتين؛ لوجود التّعارض حيث اتّحد الحكم، والحكم الواحد إذا ورد في كتاب الله مقيّدا في موضع فلا بدّ أن يكون مقيّدا في كلّ موضع يذكر فيه؛ لتناسق الأحكام ولا أثر لاختلاف السّبب، حيث حملوا الرّقبة المطلقة في كفارة الظّهار على الرّقبة المقيّدة بالإيمان في كفارة قتل الخطأ، فاشترطوا الإيمان في تحرير الرّقبة في كفارة الظّهار.

(1) سورة المجادلة، الآية: 3.

(2) سورة النساء، الآية: 92.

(3) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 220)؛ الدّريني، المناهج الأصولية، صفحات 678، 685، 686.