أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦ثمّ ذكر أنّ الأمر حقيقة في القول المخصوص فقط، خلافا لمن قال بأنّه مشترك بينه وبين الفعل(1)، ومن قال بأنّه متواطئ فيهما، ومن قال بأنّه مشترك بينهما وبين الشّأن والصّفة والشّيء(2).
أمّا الوارجلانيُّ فعرّف الأمر بأنّه: «طلب الفعل، واقتضاؤه على غير وجه المسألة»، وبهذا التّعريف أخذ السّالميُّ والبرّادي أيضا(3).
ثانيا: صيغة الأمر.
يرى الشّماخيُّ أنّ الأمر له صيغة تدلّ عليه، ونسب للأشعريِّ القول بنفي ذلك(4).
وبيّن أنّه قد يعبّر عن الأمر بالفعل كأن يكون إشارة أو رمزا، كما قد يُعبّر عنه بالقول.
أمّا بالقول فذكر أنّ له عدّة صيغ فقد يكون بصيغة الأمر وهي: "افعل" أو بالمضارع المقرون بلام
(1) ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ لفظ الأمر مشترك بين الصيغة المذكورة وبين الفعل، ودليلهم أنّه يُطلق على الفعل كما يُطلق على الطّلب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [سورة هود، الآية:97]، أي وما فعله برشيد، والأصل في اللّام الحقيقة، فاقتضى أن يكون مشتركا بين هذين المعنيين؛ وأجاب الجمهور أنّ معنى الآية وما شأن فرعون برشيد، أطلق الأمر على الشّأن فيها مجازا، وليس على سبيل الاشتراك مع معناه الحقيقي. ينظر: ابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ص (2/ 8)؛ محمد سعيد رمضان البوطي، أصول الفقه، دط، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، سوريا، 1407 هـ-1987 م، 109.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 300.
(3) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 64)؛ السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 35)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 539.
(4) نسب هذا القول لأبي الحسن الأشعري كثير من الأصوليّين، كالجويني، والزّركشي وغيرهما. ينظر: الجويني، البرهان، ص (1/ 149)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (2/ 88).
وتعتبر هذه من المسائل المشتركة بين علم أصول الفقه وعلم الكلام؛ ذلك أنّ لها علاقة باختلاف المتكلّمين حول إثبات الكلام النّفسي لله تعالى، فالأشاعرة يثبتون لله تعالى الكلام النّفسيّ، والكلام في نظرهم معنى في النّفس وهو ما تدلّ العبارات عليه، ولا تسمّى العبارات كلاما إلّا تجوّزا، وعليه فسّروا الأمر بالمعنى الذّهنيّ، وهو ما قام في النّفس من الطّلب؛ لأنّ الأمر في الحقيقة هو ذلك الطّلب واللّفظ دلّ عليه، وعليه فلم يجعلوا للأمر والنّهي صيغة، بخلاف المعتزلة الذين يرون أنّ للكلام صيغة وصورة فأثبتوا للأمر صيغته، وجعلوه متلازما مع الإرادة، أمّا الإباضيّة فيتّفقون مع المعتزلة في أنّ للكلام صيغة وصورة، ويتّفقون مع الأشاعرة خلافا للمعتزلة في أنّه لا ارتباط بين الإرادة والأمر؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى القول بأنّ وقوع المعاصي كان بأمره تعالى، وهو منزّه عن ذلك؛ ينظر: البوطي، المرجع السابق، 110؛ العروسي، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وعلم الكلام، 113 وما بعدها؛ باجو، المرجع السابق، 543.