أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

2 - النّدب: كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمُ، إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾(1).

3 - الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾(2)، وبيّن أنّ الفرق بين النّدب والإرشاد، أنّ النّدب يكون لثواب أخروي، أمّا الإرشاد فهو تنبيه على مصلحة الدّنيا(3).

4 - التّهديد: كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(4).

5 - الاحتقار: كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾(5).

6 - الامتنان: كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾(6).

ثانيا: ماذا تقتضي صيغة الأمر؟

إنّ كون الأمر مستعملا على وجوه متعدّدة، لا يعني أنّ كلّ هذه المعاني هي على الحقيقة؛ لهذا اتّسع ميدان الاختلاف بين العلماء في تحديد المعنى الحقيقي للأمر.

وذكر الشّماخيُّ أنّ الجمهور متّفقون على أنّ صيغة "افعل" ليست حقيقة في جميع تلك المعاني بل في بعضها، ثمّ ذكر مذاهب العلماء فيما تفيده هذه الصّيغة: بين قائل بأنّه حقيقة في الوجوب وهو قول الجمهور، وقائل بأنّ حقيقة في النّدب، وقائل بأنّه حقيقة في المعنى المشترك بينهما وهو الطّلب، وذهب البعض إلى أنّه حقيقة في الوجوب والنّدب والإباحة، والبعض إلى القول بالتّوقّف(7)(8).

ثمّ اختار -بعض استعراضه لمذاهب العلماء في المسألة- مذهب الجمهور القائلين بأنّ صيغة الأمر المجرّد حقيقة في الوجوب، واستعمالها فيما عداه من المعاني كالنّدب والإباحة وغيرها، يكون مجازا ولا يُحمل على أيّ منها إلّا بقرينة، وهذا بدلالة اللّغة والشّرع، حيث قال: «والمختار أنّها للوجوب، إمّا بالوضع، وإمّا بعرف الشّرع»(9).

وقال في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد: «واعلم أنّ الأمر المجرّد من القرائن فللوجوب عندنا مطلقا»(10)، وبهذا القول أخذ عامّة الإباضيّة(11).

ولم يتعرّض لذكر أدلّة المذاهب، واكتفى فقط بإيراد أدلّة الجمهور كالآتي:

- من القرآن: استدلّ الجمهور بآيات كثيرة تؤكّد كون الأمر للوجوب، وقد أورد الشّماخيُّ عدّة آيات منها:

- قوله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾(12).

قالوا لو لم يكن الأمر للوجوب لما ذمّ الله إبليس على ترك المأمور، ولما سارع الملائكة للامتثال.

- قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(13).

تهديد الله لمن يخالف أمره بالوعيد الشّديد، دليل على وجوب أمره.

- من السنّة:

- قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي سعيد بن المعلّى(14) -رضي الله عنه- وقد دعاه وهو في الصّلاة: «ما منعك أن لا تستجيب وقد سمعت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم

(1) سورة النّور، الآية: 33.

(2) سورة البقرة، الآية: 282؛

(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 303.

(4) سورة فصّلت، الآية: 40.

(5) سورة طه، الآية: 72.

(6) سورة طه، الآية: 81.

(7) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 241 - 244).

(8) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 307؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 93.

(9) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 308.

(10) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 98.

(11) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 67)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 307؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 98؛ القطب اطفيّش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 51)؛ السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 38)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 545.

(12) سورة الأعراف، الآية: 12.

(13) سورة النّور، الآية: 63.

(14) هو أبو سعيد بن الحارث الأنصاري، الصّحابي الفقيه قاضي المدينة، حدّث عن أبي هريرة وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله وغيرهم. توفّي سنة 94 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (5/ 192)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 174).