أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣١١ثالثا: الأمر الوارد بعد النّهي ودلالته:
اختلف الأصوليّون فيما تقتضيه صيغة الأمر الواردة بعد الحظر -وهو النّهي- على مذاهب:
- فذهب الجمهور إلى أنّه يقتضي الإباحة، وبهذا القول أخذ الشّماخيُّ حيث قال: «تقدّم أنّ صيغة الأمر للوجوب، سواء كان ابتداء أو بعد ندب، وأمّا بعد الحظر فالحظر قرينة صارفة له عن الإيجاب إلى الإباحة»(1)؛ واستدلّ الجمهور على ذلك بعدّة أدلة من الكتاب ومن السنّة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾(2)، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾(3)، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾(4)، كما استدلّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم»(5)(6).
- وذهب ابن حزم(7)، ومتأخّروا الحنفيّة والمالكيّة، وبعض الشافعيّة إلى أنّ الأمر الوارد بعد الحظر يدلّ على الوجوب، وممّا استدلّوا به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(8)(9).
- واختار بعض الأصوليّين منهم إمام الحرمين الجويني القول بالتوقّف(10).
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 311.
(2) سورة المائدة، الآية: 2.
(3) سورة الجمعة، الآية: 10.
(4) سورة البقرة، الآية: 222.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النّهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أوّل الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، حديث رقم: 2305، ص (3/ 65).
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 311.
(7) هو أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الأندلسي، الأصولي والفقيه الظّاهري، وهو مجّدد مذهب الظّاهرية، ولد سنة 384 هـ، اشتهر بانتقاده للعلماء، وكان معاصرا لأبي الوليد الباجي، وجرت بينهما مناظرات، توفي سنة 456 هـ، من آثاره: "الإحكام في أصول الأحكام"، "المحلّى". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (18/ 166)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 194).
(8) سورة التوبة، الآية:5.
(9) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 310؛ محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، المرجع السابق (2/ 364).
(10) الجويني، البرهان، ص (1/ 188).