أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣١٥وقد اختلف الأصوليّون في ذلك على مذاهب، فالقائلون بأنّ الأمر المجرّد يفيد التّكرار، قالوا بإفادته الفور، وأمّا القائلين بعدم إفادته للتّكرار فاختلفوا في إفادته الفور أو التّراخي، والذين توقّفوا في تكرار الأمر توقّفوا هنا أيضا(1).
واختار الشّماخيُّ القول بأنّ مطلق الأمر لا يدلّ على الفور ولا على التّراخي، إلّا بقرينة خارجيّة؛ وعلّل ذلك بقوله: «لا يدلّ على الفور ولا على التّراخي، بل على مطلق الفعل، وأيّهما حصل كان مجزئا وهذا هو الصّحيح، لنا ما تقدّم في التّكرار من أنّ المدلول طلب حقيقة الفعل، والفور والتّراخي خارجي، وإنّ الفور والتّراخي من صفات الفعل فلا دلالة عليهما»(2).
وجمهور الإباضيّة على هذا الرّأي كما نصّ على ذلك السّالميّ والقطب اطفيش(3)، وذهب البعض منهم إلى إفادته التّراخي، وهو الرّأي المختار عند الوارجلاني(4)، أمّا ابن بركة فاختار كونه يفيد الفور(5)، وتابعه في ذلك القطب اطفيّش(6)(7).
ولعلّ الرّاجح من الأقوال، أنّ الأمر المجرّد لا يدلّ على الفور أو التّراخي إلّا بقرينة خارجية؛ لأنّ الفور والتّراخي زائدان عن صيغة الأمر المطلق لغة، على أنّ المبادرة إلى الامتثال مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾(8)، فالمسارعة إلى الامتثال مندوب إليها بهذا الدّليل الخارجي لا بمجرّد الصّيغة(9).
وقد ترتّب عن اختلاف الأصوليّين في هذه المسألة، اختلاف في بعض الفروع الفقهيّة مثل:
- قضاء ما فات من رمضان هل يجب على الفور أم لا؟
- هل يجوز الحجّ فور استطاعة المسلم، أم يجوز تأخيره؟
(1) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 316؛ محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (2/ 350)
(2) العضد، شرح مختصر المنتهى، 169.
(3) ينظر: امحمّد اطفيّش، شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، ط 2، دار الفتح، بيروت، لبنان، دار التراث العربي، ليبيا، مكتبة الإرشاد، جدة، السّعودية، 1392 هـ-1972 م، ص (2/ 293)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 46).
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 100).
(5) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 88).
(6) اطفيش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 52).
(7) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 553.
(8) سورة آل عمران، الآية: 133.
(9) الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 711.