أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣١٧يتّفق الأصوليّون أنّ لصيغة النّهي "لا تفعل" عدّة معان في اللّغة، تماما كما هو الحال في … صيغة الأمر.
وقد ذكر الشّماخيُّ اثنا عشر صيغة من تلك الصّيغ، نذكر منها على سبيل المثال:
- التّحريم: كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾(1).
- الكراهة: كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾(2).
- الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(3).
- الموعظة: كقوله تعالى: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ﴾(4).
ولما كان النّهي مقابلا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرّد عن القرائن اختلفوا في دلالة النّهي المجرّد هل هو حقيقة في التّحريم أم الكراهة؟
وقد قرّر الشّماخيُّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ موجب صيغة النّهي الدّلالة على التّحريم إن تجرّد عن القرائن التي تصرفه إلى معان أخرى، وبيّن أنّ الخلاف المذكور في دلالة الأمر على الوجوب، متحقّق كذلك في النهي؛ إذ إنّ البعض يرى أنّه حقيقة في الكراهة، والبعض ذهب إلى أنّه مشترك بين التّحريم والكراهة، والبعض قال بالتّوقف في دلالته(5).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من أنّ صيغة النّهي المجرّد حقيقة في التّحريم، ومجاز في غيره، فلا تخرج صيغة النّهي عن التّحريم إلّا لقرينة؛ ويدلّ على هذا المعنى اللّغوي للنّهي الذي هو طلب التّرك على وجه الحتم والإلزام، وعليه فلا يدلّ عند إطلاقه إلّا على التّحريم.
ثم ذكر الشّماخيُّ بعد ذلك خلاف العلماء في نهي الله هل هو للزّجر فقط أم فيه التّأديب، واختار كونه للزّجر فقط، ونسب هذا القول لابن عبّاس.
(1) سورة الإسراء، الآية: 32.
(2) سورة البقرة، الآية: 237.
(3) سورة المائدة، الآية: 101.
(4) سورة آل عمران، الآية: 196.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 331.