أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣١٨والنّهي يقتضي الفور والتّكرار خلافا للأمر(1)؛ لأنّ النّهي يقتضي انتفاء حقيقة المنهيِّ عنه، فلا بدّ من تكرّر الامتناع عن المنهيِّ عنه ودوامه، وهذا يستلزم الفور، بمعنى أن يتحقّق الامتناع فور صدور الخطاب بالنّهي، فالتّكرار والفور من مدلول صيغة النّهي لغة(2).
وبخلاف الاختلاف الحاصل بين العلماء في دلالة الأمر على الفور أو التّراخي، فهم شبه متّفقون في دلالة النّهي على الفور والتّكرار، ولم يخالف في ذلك إلّا القليل، ونُقِل عن ابن برهان(3) الإجماع على هذا(4).
الفرع الثّالث: أثر النّهي في المنهيّ عنه.
مما سبق تبيّن أنّ النّهي المجرّد يدلّ على التّحريم على قول الجمهور، بهذا تكون له أحكام أخروية تتعلّق بالثّواب والعقاب، وقد تكون له أحكام دنيوية تتعلّق بالصّحة والفساد والبطلان وهذا في العبادات والمعاملات، وهو المقصود بأثر النّهي في المنهي عنه، أي هل يقتضي النّهي فساد المنهي عنه أم لا؟
وقد شغلت هذه المسألة بال العلماء منذ القديم؛ لما لها من أثر في كثير من الفروع الفقهيّة وبخاصّة في أبواب المعاملات.
ومن خلال استقراء النّصوص الشّرعية المشتملة على النّواهي، يُلاحَظ أنّ الشّارع قد ينهى عن أشياء في أوقات خاصّة أو حالات خاصّة، والنّهي قد يكون عن فعل، وقد يكون عن قول ويضمّ العقود والتّصرّفات والمعاملات الشّرعية، والنّهي تختلف درجاته باختلاف أسبابه:
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 331.
(2) الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 715.
(3) هو أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان البغدادي، الأصولي والفقيه الشافعي، ولد سنة 479 هـ، وكان في بداية حياته حنبليا ثمّ انتقل إلى الشافعيّة، وأخذ العلم عن أبي حامد الغزالي وإلكيا الهراسي، توفّي سنة 518 هـ، من آثاره: "البسيط"، "الوسيط"، "الوجيز" في أصول الفقه. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (19/ 426)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة الكبرى، ص (6/ 30).
(4) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 381).