أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

هذه الظّروف سبّبت ضعفا في الحركة العلميّة والفكريّة في هذه المناطق.

بالإضافة إلى هذه الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة المزرية، تعرّض الإباضيّة في جربة ونفوسة إلى الاضطهاد والضّغوط من طرف السّلطة الحفصيّة، وتمثّل ذلك في محاولة ثَنْيِهم عن مذهبهم من خلال إرسال وفود من العلماء لمناظرتهم، فقد ذكر أبو العبّاس في سيره أنّ أبا فارس -سلطان إفريقية- «أرسل إلى أهل جربة ليردّهم إلى مذهب الحشويّة، وطلب العلماء للمناظرة»(1)، وذكر أيضا أنّ عامل طرابلس قصد جبل نفوسة مع وفد من العلماء للمناظرة، واصطحب معه الجند(2).

ووصف الوزان(3) وضع أهل نفوسة في ذلك العصر فقال: «وسكّان هذه الجبال شجعان أبطال، إلّا أنّ المسلمين المتمذهبين بمذهب خلفاء القيروان يعتبرونهم زنادقة، وقد رجع سكان بلاد إفريقيّة عن هذه النّحلة الضّالة ما عدا هؤلاء الجبليّين، ولذلك يذهبون إلى ضواحي تونس وغيرها من المدن حيث يُزاولون حرفا بسيطة لكسب معاشهم، متحرزين من إظهار عقيدتهم خشية أن يتعرّضوا لعقاب المتربّصين بهم»(4).

واختصر الشمّاخيُّ وصف تلك الأوضاع التي عاصرها بقوله في آخر كتابه سير المشايخ: «ولم أجد مكانا حين الوضع لتشتّت البال وتعذّر الأحوال لأسباب كثيرة غير قليلة، من تفاقم الفتن في البلاد، وشدّة القحط، وتزلزل العباد، وعتوا أهل الفساد، وكثرة الشكوى، وقلّة السّواد»(5).

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فقد واجه الإباضيّة في مجتمعاتهم الثّلاثة في شمالي إفريقيا، أي في مزاب وجزيرة جربة، وجبل نفوسة، في تلك الفترة هجمات كتابيّة على مذهبهم ومعتقداتهم، وقد تصدّى علماء الجبل للرّد على هذه الهجمات، والدّفاع عن أنفسهم من خلال توضيح مواقفهم وآرائهم، وبيان ما استدلّوا به عليها، ودحض الشّبهات التي تثار حولهم.

(1) الشماخي، السّير، ص (2/ 806).

(2) الشماخي، المصدر نفسه، ص (2/ 800).

(3) هو أبو علي الحسن بن محمّد الوزّان الفاسي، الجغرافي والمؤرّخ، أصله من غرناطة بالأندلس، ولد حوالي سنة 888 هـ بغرناطة، ثم هاجر مع أهله إلى فاس، له رحلات كثيرة في بلاد إفريقيا، توفّي حوالي سنة 957 هـ، من آثاره: "وصف إفريقية"، "مختصر تاريخ الإسلام". تنظر ترجمته: الزّركلي، الأعلام، ص (5/ 69).

(4) الوزّان، وصف إفريقيا، ص (2/ 105).

(5) الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 809).