أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

- فقد يكون النّهي متوجّها لذات الفعل، أو ما يسمّى بالأمور الحسّية كالزّنى والسّرقة وشرب الخمر والقتل، وهذا النّوع من النّهي لا خلاف بين العلماء في اقتضائه فساد المنهي عنه، كما أنّه لا خلاف بينهم أيضا في أنّ النّهي عن التّصرّفات الشّرعية يدل على بطلانها؛ إذا كان النّهي متوجّها للمحلّ المعقود عليه، كالنّهي عن بيع الزّرع المعيّن قبل وجوده.

- وقد يرد النّهي عن فعل أو قول لأمر خارج عنه ليس لازما، كالوطء في الحيض والصّلاة بالثّوب المغصوب، والبيع وقت النّداء لصلاة الجمعة، وهذا النّوع محلّ خلاف بين العلماء، حيث ذهب الجمهور إلى أنّه لا يقتضي بطلان العمل ولا فساده، فيبقى العمل صحيحا، ولكنّه يكون حراما عند الأكثرين، مكروها عند الحنفية، واحتجّ الجمهور بعدم التّلازم بين الفعل أو القول، وما جاوره من ظرف أو وصف، فالبيع وقت النّداء مثلا لا ينصرف النّهي فيه لأمر جوهريّ في العقد، وإنّما للظّرف الذي انعقد فيه.

وذهب الحنابلة والظّاهرية إلى أنّ النّهي يقتضي بطلان المنهيّ عنه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»(1).

- وقد يرد النّهي عن فعل أو قول؛ لوصف لازم له، كالنّهي عن صوم أيّام العيد، والنّهي عن البيع المشتمل على الرّبا أو على شرط فاسد، وقد اختلف العلماء في هذا النّوع من النّهي على عدّة أقوال:

- أنّ النّهي يقتضي شرعا لا لغة فساد المنهي عنه، ولا يترتّب عليه أثر سواء في العبادات أو المعاملات، وهو مذهب الجمهور من المالكيّة، والشّافعية، والحنابلة، والإباضيّة(2) والظّاهريّة، وبعض الحنفيّة، وهو الرّأي المختار عند الشّماخي(3).

- أنّ النّهي يدلّ على فساد المنهي عنه لغة لا شرعا، وإلى هذا الرّأي ذهب بعض الشّافعية، والمعتزلة، وكثير من الحنفيّة، وهو اختيار السّالميّ(4).

(1) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصّلح مردود، حديث رقم: 2697، ص (3/ 184)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض لأحكام الباطلة، حديث رقم: 4589، ص (5/ 132).

(2) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 571.

(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 332.

(4) السالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 175).