أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

والحقّ أنّ الاجتهاد سائغ في الأمور الحسّية أو العقليّة أو اللّغويّة، ولكن لا يعدّ اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي المتعارف عليه لدى الأصوليّين.

أمّا الوارجلانيُّ فعرّف الاجتهاد بأنّه: «استفراغ الوسع في طلب علم الحادثة»(1).

ويظهر أنّ تعريف الشّماخيِّ أدقّ وأضبط؛ فالوارجلانيُّ لم يقيّد عمليّة الاجتهاد بالفقيه، كما أنّه لم يقيّد الحادثة المجتَهَد في البحث عن حكمها بكونها شرعيّة.

وقد وافق السّالميُّ الشماخيَّ في تعريفه للاجتهاد، فعرفه بقوله: «هو أن يطلب الفقيه حصول حكم حادثة بشرع، ويبذل في ذلك مجهوده، بحيث لا يمكنه المزيد عليه في الطّلب»(2).

وبيّن الشّماخيّ أنّ للاجتهاد ركنان:

- المجتهِد: وهو من تناط به عمليّة الاجتهاد.

- المجتهد فيه: وهو محلّ الاجتهاد.

ولم يتعرّض بالذّكر، لأدلّة مشروعيّة الاجتهاد، ولا لبيان بعض أمثلته في الفروع كما فعل الوارجلاني(3).

الفرع الثّاني: مجال الاجتهاد:

نصوص الشّريعة الإسلاميّة ليست على درجة واحدة من حيث الثّبوت والدّلالة، فمنها القطعيّة التي لا تحتمل الاختلاف، ومنها الظنّية التي ينظر فيها المجتهدون ويستنبطون منها الأحكام، وقد تختلف فيها وجهات النّظر والاجتهادات.

وعلى هذا فلا يسوغ الاجتهاد في جميع النّصوص الشّرعية؛ فالقطعيّ في ثبوته ودلالته لا يجوز فيه الاجتهاد إلّا من باب فهم النّصوص لتطبيقها، وفهم علله ومقاصده للقياس عليه، وتتحقّق هذه القطعيّة في نصوص الكتاب والسنّة المتعلّقة بالعقائد، والعبادات والمقدّرات من الكفّارات والحدود وفرائض الإرث.

ومجال الاجتهاد محصور في الظّني الثّبوت أو الدّلالة، وفيما لم يرد فيه نصّ أو إجماع.

(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 268).

(2) السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 400).

(3) ينظر: الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 48 - 50)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 778.