أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

ويتجلّى ذلك من خلال تقسيم الأصوليّين للأحكام الشّرعية من حيث الثّبوت والدّلالة إلى أربعة أقسام:

- أحكام قطعيّة الثّبوت والدّلالة.

- أحكام ظنّية الثّبوت والدّلالة.

- أحكام قطعية الثّبوت، ظنّية الدّلالة.

- أحكام ظنّيّة ثبوت، قطعية الدّلالة.

فالأقسام الثّلاثة الأخيرة، سائغ فيها الاجتهاد باتّفاق الأصوليّين؛ ويكون ذلك من خلال السّعي لمعرفة طرق إثباتها إن كانت ظنّية الثبوت، وكشف دلالتها وتوضيحها إن كانت ظنّية الدّلالة.

أمّا القسم الأوّل فلا مجال للاجتهاد فيه، وهو ما يعبّر عنه العلماء بقولهم: «لا اجتهاد مع ورود النّص»، أو «لا حظّ للنّظر مع وجود الأثر».

وقد ذهب الشمّاخيُّ مذهب جمهور العلماء(1)، في حصر محلّ الاجتهاد الفقهيّ في الظنّيات، فقال: «فمحلّ الاجتهاد الحادثةُ التي لا يوجد لها حكم في كتاب الله، ولا سنّة ولا إجماع، وهو الأثر»(2).

وجوّز الاجتهاد في العقليّات والقطعيّات، كمسائل التّوحيد والاعتقاد من خلال معرفة أدلّتها، وهذا خلافا للوارجلانيِّ(3)، ولكنّه بيّن أنّ الحقّ فيها واحد، وأنّ المصيب في إدراكه مأجور والمخطئ آثم، فقال: «واعلم أنّ كلّ من أدّاه اجتهاده في العقليّات والقطعيّات، مثل مسائل الكلام والاعتقادات وغيرها، إلى الصّواب فله أجران، وإن أدّاه إلى الخطأ فهو آثم غير مأجور، سواء عجز عن إدراك الصّواب، أو أدرك وخالف»(4).

وتابعه في ذلك السّالميُّ، حيث أشار إلى اختلاف العلماء في جواز ذلك، مبيّنا أنّ الصّحيح جواز الاجتهاد فيها، شريطة ألّا يكون ذلك من منطلق الشّك؛ ليزداد المجتهد اطمئنانيّة ويقينا، فإن أصاب فيها فله أجر الإصابة، وإن أخطأ فهو آثم هالك(5).

المطلب الثّاني: شروط المجتهد.

بيّن الشّماخيّ الشّروط التي ينبغي توفّرها فيمن يتصدّر للاجتهاد كالآتي:

1 - أن يكون عالما بالآيات والأحاديث التي تعلّقت بها الأحكام.

وذكر أنّ بعض الأصوليّين لا يشترطون حفظها(6)، ثمّ بيّن أنّ الصّواب هو عدم الاقتصار على معرفة الآيات والأحاديث المتعلّقة بالأحكام، بل ينبغي أن يكون المجتهد عالما بجميع الكتاب والسنّة؛ وعلّل ذلك بأنّ كثيرا من الأحكام استنبطها العلماء من الكتاب من غير الخمس مائة آية التي تعلّقت بها الأحكام(7)، ومثّل بأقلّ مدّة الحمل، وقطع يد النّباش وغيرها، ونسب هذا القول للشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي من الإباضيّة(8).

وقد وافق الوارجلانيُّ(9) أبا الرّبيع فيما ذهب إليه، ولكنّه بيّن أنّ الأمر متعذّر، ولا يتحقّق إلّا نادرا، أمّا السّالميُّ فاعترض على هذا الرّأي، ولم يشترط الحفظ؛ معلّلا ذلك بأنّ:

(1) ينظر: الشّيرازي، اللمع، 130؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 186)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 416)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 277)؛ الرازي، المحصول، ص (5/ 143)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 374؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 444).

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 509.

(3) الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 269)؛ باجو منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 794.

(4) الشّماخي، المصدر السابق، 506.

(5) السّالمي، المصدر السابق، 525.

(6) ممّن قال بهذا الرّأي البزدوي، والغزالي، والرّازي، وعبد العزيز البخاري، والسّالمي وغيرهم. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (2/ 181)؛ الرازي، المحصول، ص (5/ 142)؛ البخاري، كشف الأسرار، ص (4/ 22)؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 403).

(7) اختلف العلماء في عدد الآيات المتعلّقة بالأحكام، فمنهم من حصرها في خمس مائة آية، ومنهم زاد على ذلك، وبيّن الشّوكاني أنّ: «دعوى الانحصار في هذا العدد إنّما هي باعتبار الظّاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشّرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح، وتدبّر كامل، يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرّد القص والأمثال»؛ ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 419).

(8) الشماخي، شرح مختصر العدل، 510.

(9) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 278).