أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٣١

وهناك من الأصوليّين من أضاف شروطا أخرى، كاشتراط فهم مقاصد الشّريعة، واستنباط الأحكام على وفقها(1).

وهذه الشّروط التي ذكرها الأصوليّون للمجتهد، تنصرف للمجتهد المطلق الذي له القدرة على الفُتيا في جميع الأحكام الشّرعيّة، فينبغي أن تتوفّر فيه هذه الشّروط، أمّا من كان مجتهدا في بعض أبواب الفقه دون بعض، أو ما يسمّى بالاجتهاد الجزئيِّ، فلا تشترط له جميع هذه الشّروط، والأصوليّون مختلفون في جواز هذا النّوع من الاجتهاد، وفيما يأتي عرض لهذه المسألة.

- مسألة تجزّؤ الاجتهاد:

يُقصد بتجزّؤ الاجتهاد، أن يكون الشّخص عارفا لمسألة معيّنة، مُلمًّا بأدلّتها وطُرُقِ النّظر فيها وما يتعلّق بها، فهل يجوز له أن يجتهد فيها، ويُعمل باجتهاده؟ أم لا؟

وقد بيّن الشماخيُّ هذا المعنى بقوله: «ومعناه أنّ المجتهد قد يحصل له في بعض المسائل ما هو متعلّق الاجتهاد من الأدلّة دون غيرها فيجتهد فيها، فينال منصب الاجتهاد في بعض الأحكام … دون بعض»(2).

ثمّ ذكر أنّ الأصوليّين مختلفون أزاء هذه المسألة على قولين:

- منهم من قال بجواز تجزّؤ الاجتهاد، ونسب هذا القول للغزالي(3)(4).

- ومنهم من لم يجوّز ذلك، مشترطا في المجتهد أن يكون متّصفا بجميع شروط … الاجتهاد السّالفة(5).

(1) الشّاطبي، الموافقات، ص (5/ 41).

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 511، 512.

(3) الغزالي، المستصفى، ص (2/ 185).

(4) القول بجواز تجزّؤ الاجتهاد هو رأي أكثر الأصوليّين. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (2/ 185)؛ الرّازي، المحصول، ص (5/ 143)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 191؛ ابن القيم الجوزيّة، إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، تح: طه عبد الرؤوف سعد، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1973 م، ص (4/ 216)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 498)؛ السّبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ص (4/ 531)؛ أمير بادشاه، تيسير التّحرير، ص (4/ 182)؛ ابن النّجار، الكوكب المنير، ص (4/ 473)؛ العطّار، حاشية العطّار على جمع الجوامع، ص (2/ 71).السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 405).

(5) ممّن رجّح هذا الرّأي الإمام الشّوكاني، حيث ردّ على حجج المجيزين له، كما منع تجزّؤ الاجتهاد من المعاصرين عبد الوهاب خلاف. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 425)؛ عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، 220؛ القرضاوي، الاجتهاد في الشّريعة الإسلاميّة، 60.